index.htmlsayedbenalfardy.arabblogs.com
"هموم مهمش من بلاد الشمس".. قال تعالى: يآأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبآئل لتعارفوآ إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير..
.
.

أهمية المخطوطات العربية القديمة في منحنى نهر النيجر : ( تمبكتو وقاوه ) ..

 

أهمية المخطوطات في منطقة منحى نهر النيجر :

 

الحديث عن المخطوطات حديث ذو شجون ، وربما أخذ وقتا ومساحة أكثر من المسموح به إن أردنا التعمق، والإحاطة، ولأن ذلك غير ممكن فلنحاول الولوج إلى بيت القصيد مباشرة  ولا شك أننا عندما نتحدث عن الموروث الثقافي والفكري للمنطقة تأتي ثروة المخطوطات في مقدمة حديثنا فهي التي تجسد أصالة وعراقة المنتوج الفكري والثقافي لهذه المنطقة ، وهي في ذات الوقت تمثل الذاكرة العلمية ، والثقافية للإقليم برمته ، وبما أنها تمثل مجالاً شبه مجهول بالنسبة للكثيرين من أخوتنا في العالمين العربي والإسلامي ، فاسمحوا لي أن أحاول في هذه العجالة أن ألقي نظرة خاطفة على المدن والمراكز التي أحتضنتها أبتداءً ، وحافظت عليها عبر الأزمنة المديدة ، والتطرق إلى بعض الأسباب والعوامل التي هيأتها للقيام بهذا الدور التنويري المميز في تلك العصور الغابرة ...

توجد مدن تاريخية مهمة في هذه المنطقة المعروفة بمنحى أو عقفة نهر النيجر وقد لعبت دوراً تاريخياً مهما في تلقي المؤثرات الفكرية والثقافية بين شمال وجنوب الصحراء الكبرى .

 

وهذه المدن أو المراكز هي :

1.   قاوه عاصمة امبراطورية الصنغاي والتي تأسست في القرن الثاني الهجري.

2. وجني التي تأسست في القرن الثالث الهجري ولكنها لم تصبح مدينة إسلامية إلا في القرن السادس الهجري.

3.    ثم تمبكتو جوهرة الصحراء التي تأسست في القرن الخامس الهجري الحادي عشر الميلادي لكنها برغم تأخرها عن جارتيها قامت بأكثر الأدوار أهمية في ازدهار الحياة العملية، والثقافية، والاقتصادية في كافة مناطق بلاد السودان ، ربما بسبب وقوعها عند نقطة نهاية الطرق القادمة من بلاد المغرب الأقصى، البلد الأكثر تأثيراً في هذه المناطق – ووقوعها شمال النهر على حافة الصحراء – هذه الصحراء المعطاءة التي لم تشكل يوما عائقاً أو حاجزاً يحول دون انسياب ، وتدفق الخير والنماء ، والبضائع ، ورواد الثقافة، والفكر، والدين ، بل كانت الطرق التي تشقها – منذ قرون موغلة في القدم – من الشمال إلى الجنوب، ومن الشرق إلى الغرب، والآبار العذبة المترامية على جنباتها - كانت خير معين لتدفق المؤثرات الفكرية ، والروحية ، والاقتصادية من خلال تجارة القوافل ، والتجار الذين تملؤهم الجرأة وحب الاستكشاف ، والبحث عن الربح الطيب ، وأكتشاف المجهول ، وقد تأسست محطات تجارية عند نهايات هذه الطرق والدروب

وأصبحت مناطق جذب ارتادها الفقهاء ، و العلماء، والدعاة من كل البلاد الإسلامية ؛ من المشرق ، والمغرب ، بل وحتى من بلاد الأندلس ثم ما لبثت أن تحولت إلى منارات علم وهدى ، ومراكز للإشعاع الفكري ، والثقافي ، وشكلت نقاطا مضيئة في خريطة المنطقة ، للازدهار الاقتصادي والتطور الإجتماعي المطرد لقرون عديدة .

ومن أسباب هذا الإنسياب :-

ما وفره ملوك وحكام وسلاطين البلاد من جو آمن، واحترام وتقدير خصوا به أهل العلم والمعرفة ، وخاصة في عهد سلاطين مالي العظام أمثال منسي موسى (1321/1337م) صاحب أشهر رحلة حج في التاريخ ، ومنسي سليمان (1314/1360م) ، كذلك فعل ملوك إمبراطورية الصنغاي، في عهد الاسكيات العظام أمثال الأسيكا الحاج محمد توري ، الذي كان يتمتع بموهبة فائقة في التنظيم السياسي ، وعاطفة دينية جياشة ، وما كان يبديه من احترام ، وتقدير فائقين للدين الإسلامي ، والعلوم الشرعية ، وما تمتع به الفقهاء والعلماء وتجار الشمال من مكانة مرموقة في بلاطه الأمر الذي ساهم بشكل ملحوظ في تطور الحركة العلمية والثقافية في عهده الميمون .

وتحدثت المصادر عن ازدهار التجارة بين مدن العقفة وبلاد المغرب وأنها مرت بمراحل متصاعدة ، ابتداء بالتجارة الصامتة التي ذكرها هيرودوت في العصور القديمة ، ثم مبادلة سلعة بأخرى ، ثم استخدام الودع ، وقوالب الملح كعملة مقابل الذهب غير المصنع وغيره من سلع الجنوب ، ثم استخدمت الصكوك في مرحلة لاحقة والتي لا تختلف كثيرا عن الشيكات المعروفة في وقتنا الحالي ، الأمر الذي يؤكد أن المعاملات التجارية بين المنطقتين في ذلك الوقت كانت على درجة عالية من التقدم ، ومواكبة العصر.

وقد شكل الملح والذهب ، والخيل ، والأسلحة ، والأقمشــة الحريرية والقطنية ، عاج الفيل وريش النعام ، وثمرة الكولا ، والبهارات ، والحلي المصنعة في حوض المتوسط ..الخ  شكلت هذه السلع عصب التبادل التجاري بين ضفتي الصحراء ، ولكن الكتب كانت أغلى هذه السلع جميعا إبان نهوض وأزدهار الثقافة العربية في البلاد ، وأكثرها ربحا ، ولاحظ هذه الظاهرة الكثير من  الرحالة الذين زاروا منطقة منحنى النهر، ودونها والمؤرخون الذين كتبوا عنها.

إذن فالحركة الفكرية ، والنهضة العلمية والثقافية التي عرفتها المنطقة في القرون الوسطى ، كان من أسبابها ، ما وفره الحكام ، والملوك ، من جو مفعم بالأمن ، والاستقرار إضافة إلى التقدير، والاحترام الفائقين اللذين كان يحظى بهما الفقهاء ، والعلماء والدعاة – كما أسلفنا – كل هذا دفع بالكثير من النخب المثقفة في المشرق ، والمغرب ، وبلاد الأندلس دفع بهم إلى أن يتوجهوا نحو هذه البلاد التي نعمت برخاء اقتصادي زاهر ومستوى معيشة طيب ، فكان لهذه الظروف مجتمعة الفضل الأكبر في خلق جو علمي حر، وجذاب في مدن منحنى النهر، فانتشرت المدارس ، والجامعات، فكانت جامعة سنكري ، وجنقربير، ومئات المدارس ، حتى أحصت بعض المصادر أكثر من مائة وثمانين مدرسة (180) في تمبكتو وحدها ، وذكر المؤرخون وجود حوالي أربعة ألاف ومائتي فقيه (4200) وعالم في مدينة جني أثناء إسلام مليكها في القرن السادس الهجري.

وكان العلماء والفقهاء والصلحاء يؤسسون المكتبات الخاصة في بيوتهم ، وفي دور التعليم، وفي الجوامع وفي أحيائهم المتنقلة ، ويحملون كتبهم  على ظهور الجمال أثناء ظعنهم ، وكذلك فعل بعض الملوك والسلاطين حيث أسسوا مكتبات بقصورهم الملكية التي زخرت بالكتب القيمة ، والمخطوطات النفيسة في شتى الفنون ، والمعارف، وتذكر المصادر قصة الملك الأسكيا داوود الذي كان مولعاً بالكتب شغوفا باقتنائها ، فكانت له مكتبة ضخمة تعج بالكتب النادرة والثمينة ، وكان له نساخ ينسخون له المخطوطات النادرة ، وقد بلغ شغفه بالكتب أنه اشترى قاموسا بمبلغ ثمانين مثقالا منن الذهب الخالص.

ويذكر العلامة أحمد بابا التمبكتي في هذا السياق: "أنا أقل عشيرتي كتبا نهب لي ألف وستمائة مجلد".

وكان الشيخ العلامة سيد المختار الكبير الكنتي يرسل مع كل قافلة تمر ( بحلته ) إلى بلاد المغرب يرسل معها من يشتري له الكتب التي يحتاجها من هناك ، كما راسل الملوك ، والأمراء والعلماء ، ومريديه من أتباع الطريقة القادرية في بلاد المغرب الأقصى لتزويده بما يطرأ عندهم من كتب ، ومؤلفات ، بل وراسل الشيخ مرتضي الزبيدي لهذا الغرض وغيره ، وكذلك فعل أبناؤه ، وأحفاده من بعده حيث نجد مراسلاتهم للملوك والسلاطين والأمراء في البلاد الإسلامية وفي أغلبها نجد طلبات للكتب وغيرها مما يتبادل بين العلماء والأعيان.

ويؤكد ما تزخر به المنطقة في الوقت الحالي من مصادر مخطوطة أن المنطقة عرفت معظم المؤلفات المعروفة في البلاد الإسلامية حينذاك ، وقد تحدث من كتبوا عن الحركة الفكرية في المنطقة ، عن ضخامة الموروث الثقافي والفكري الذي تركه أعلام تلك الحقبة من العلماء وأنهم أثروا الحياة العلمية ، والثقافية ، وأضافوا إضافات متميزة إلى المكتبة الإسلامية عموما حيث ألفوا وكتبوا بكل ميادين العلم والمعرفة ، كالتفسير وعلوم القرآن والحديث وعلم المصطلح ، والفقه ، وأصوله وفي علم البلاغة والبيان ، وفي التاريخ ، والتراجم ، والسير والرحلات ، والجغرافيا ، وفي الطب ، والفلك ، والحساب ، والهندسة ، والكيمياء ، وفي علوم التصوف والزهد والأسرار وغير ذلك.

ومن الأسر التي اشتهرت بالعلم والتأليف والإنتاج العلمي الغزير في المنطقة ، آل آقيت الصنهاجيين، وأهل السوق، وإيقلاد ، والأسر الفلانية ، وآل بغايغو الونقاريين ، والأسر الأروانية ، كأسرة الشيخ سيدي علي بن شعيب الحسني ، وأسرة سيدي أحمد أق آده ، وأهل بوجبيهة ، وأسر الأنصار والكنتيين وغيرهم ...الخ .

ومن هذه البيوتات العلمية بعض الأعلام العظام الذين تركوا موروثا علميا ضخما تفخر به المكتبة الإسلامية، كالعلامة أحمد بابا التمبكتي الذي ترك ما يصل إلى ستة وخمسين مؤلفاً (56)، والعلامة الشيخ سيد المختار الكبير الكنتي الذي ترك هو أيضا أكثر من ثلاثمائة وأربعة عشر مؤلفاً ( 314 ) ، وآلاف الرسائل والفتاوى والقصائد والتي ما زال أغلبها مخطوطا، بل ومجهولا عند الكثيرين من المهتمين بالتراث العلمي في المنطقة.

ويلاحظ هنا أن منطقة منحنى النهر كانت بحق قبلة لطلاب العلم والمعرفة من شتى بقاع غرب أفريقيا، من الإمارات الإسلامية التي قامت حول حوض نهر السنغال ، وبلاد الفوتا ، ومن إمارات الهوسا والبرنو، وكانم.

وقد لوحظ استقرار أغلب القادمين إلى المنطقة من الشمال ، والجنوب ، ومن الشرق ، والغرب ، في البلاد وتصاهرهم مع السكان المحليين فكونوا بذلك مجتمعا رائعا مثل أجمل أنواع التعاون بين الأجناس والشعوب ، الأمر الذي ساهم بالنصيب الأكبر فيما عرفته البلاد من نهضة علمية وثقافية رائعة ، ويقول آدم عبدالله الألوري في هذا السياق:

" ولما ارتكز بمدينة تمبكتو - يقصد العلم - رجع الناس إليها في طلب العلم ، إذ أنها أقرب إليهم من غيرها ، فارتادوا ديار العلم بها حتى نبغ منهم عدد كبير من أهل العلم ، وعند ذلك اكتفوا بما في بلادهم ، وصاروا لا يطلبون العلم إلى سواها ، ولا يحتاجون إلى غير مؤلفات علمائها من الراسخين في العلم" .

إذن فقد أنجبت المنطقة علماء وفقهاء أغنوا العلوم الشرعية والأدبية بما أنتجته عقولهم النيرة من ثمرات علمية طيبة ، كما ، ربوا أجيالا حملت على مدى قرون عديدة مشعل النهضة العلمية ، والثقافية ، والحضارية في المنطقة حتى أصبحت اللغة العربية ، والثقافة العربية الإسلامية ، إلى جانب الدين الاسلامي المظاهر الأساسية لوحدة المجتمع في سائر منطقة الصحراء ، وبلاد السودان ، فأصبح الأهالي يستظلون بمظلة حضارية واحدة ، ولهم مرجعية عقائدية ، وثقافية واحدة، مما ساهم في تجانس المجتمع واستقراره على مدى الفترة ما قبل الإستعمار الأوروبي ..

ولا شك أن ما تزخر به مكتباتنا الأهلية ، وما تراكم في جنبات مراكزنا العامة والخاصة من وثائق نادرة ، ومخطوطات قيمة ونفيسة أصدق دليل على ما أسلفنا ، ولا شك أن المخطوطات تمثل الجانب المهم من التراث ، والجانب المعرض في نفس الوقت للضياع والتلف إن لم نكرس طاقاتنا ، وإمكانياتنا لنجدتها ، ونبذل الوقت والجهد  في البحث عنها وجمعها وصيانتها والحفاظ عليها ، قبل أن تعصف بها عوامل الطبيعة من أمطار، وتصحر، وأرضة وسوء تخزين... الخ .

ويلاحظ أن تقدم أي شعب مرهون بإيمانه بعناصره الذاتية من خلال المحافظة على تراثه الفكري ، والثقافي ، والحضاري ، والنهوض عند كل المجتمعات البشرية في الماضي والحاضر مرتبط بإحياء العناصر الحضارية الخلاقة في ثقافة أي شعب أو مجموعة ، ونحن في هذه البقعة من العالم الإسلامي ، نفخر ونعتز بتراث هائل من المخطوطات ورثناه عن أسلافنا في مختلف العلوم ، والمعارف ، يعد بحق إضافة متميزة إلى ما أنتجه العقل البشري النير عبر مسيرته التاريخية المظفرة ، ولكن الذي يؤسف له حقيقة ما لقيه هذا التراث من الإهمال ، والتهميش ، وعدم الاكتراث من أهله ، وممن يفترض فيهم الاهتمام والعناية به ، حتى تنبه له أخيرا مجموعة من الباحثين الأجانب فشرعوا في توعية الناس على أهميته ، ودعوا إلى تكوين جمعيات أهلية للحفاظ عليه ، والنهوض ، والتعريف به بين الناس ..الخ .

 

إن أهمية مخطوطات منطقة منحى نهر النيجر ترجع إلى أن الدراسات والبحوث الميدانية أثبتت أن هذه المنطقة تعد من أغنى المناطق في غرب القارة بالمخطوطات العربية القيمة ، وقد ذكر بعض المهتمين بهذا الحقل أنها تتجاوز عشرات بل مئات آلاف الكتب المخطوطة وعشرات اللآف من الرسائل والوثائق ، والعقود ، والصكوك القديمة ،  ولا غرابة في ذلك فقد حصل تراكم هائل للكتب في المنطقة لأسباب كثيرة ذكرنا أغلبها في بداية المقالة ، فقد تمتع الكتاب في نهضة هذه المنطقة بالنصيب الأوفر من الإهتمام لدى العامة والخاصـــــــة .

وأغلب هذه الثروة الضخمة من الكتب المخطوطة الموجودة بين أيدينا الآن هي نتيجة لما تركه الأجداد للأولاد والأحفاد مما تراكم في تلك الحقبة الزاهرة، وقد احتفظت الأسر العلمية بأغلب هذه الثروة بالإضافة إلى مؤلفات العلماء والفقهاء المحليين الذين أثروا بدورهم المكتبات المحلية ، والأفريقية بتأليف قيمة ومتميزة.

وسنذكر في هذا السياق الأماكن التي مازالت تحتضن المخطوطات العربية في المنطقة موضوع البحث ، وونستعرض بعض البيوتات العلمية التي لها منتوج علمي ، ومازالت تحتفظ وتهتم بالكتاب المخطوط وتحتفظ بالوثائق التاريخية النادرة ..

 لا شك أن المخطوطات والوثائق العربية في المنطقة أكثر المنظم منها والمتيسر للباحثين ذلك الموجود في مركز أحمد بابا التمبكتي للوثائق والمخطوطات ، والذي يضم الآلاف منها ، بالإضافة إلى مكتبات أهلية موجودة بمدينة تمبكتو نفسها مثل مكتبة مما حيدره للمخطوطات ، ومكتبة آل محمود كعت ، ومكتبة الزاوية الكنتية ، ومكتبة الشيخ محمد محمود الأرواني ومكتبة الأئمة في مسجد جنقربير، ومسجد سنكري ، ومسجد سيدي يحي التادلي، وبعض المكتبات الأهلية في القرى والمداشر التابعة لتمبكتو.

هذه إذن نماذج لبعض المكتبات الأهلية في المنطقة التي تزخر بآلاف الكتب المخطوطة ، والوثائق التاريخية النادرة وهذه المخطوطات أغلبها محفوظ في صناديق من الحديد والخشب ، وهي طريقة سيئة تؤدي في الغالب إلى إلحاق الأضرار الجسيمة بالمخطوط وبعضهم يحتفظ بمخطوطاته في أوعية مصنوعة من جلود الأنعـــــــــام .

تُجَلد هذه الكتب غالبا بنفس الجلود المدبوغة مع إدخال بعض القطع من الورق المقوى – إن وجد – في عملية التجليد بقصد توفير حماية أكثر للكتاب من مخاطر البلل والندى وما يمكن أن يتعرض له الكتاب من مخاطر أثناء عمليات التخزين والنقل .

بعض المخاطر المهددة لمخطوطات المنطقة:

وقد تعرضت هذه المخطوطات في الماضي للنهب والسلب أثناء اجتياح المستعمر لبلادنا، وكذلك تعرضت فيما بعد للنهب والتهريب المنظمين إلى الخارج على أيدي سماسرة المخطوطات النشطين جدا في المنطقة، وخاصة أثناء كوارث الجفاف التي مرت بها البلاد في الأعوام: 72/73/1985م.

هذا إضافة إلى عمليات الحرق والإتلاف أثناء الحروب الأهلية التي عصفت ببلادنا في العقدين الآخرين من القرن الماضي ، زد على ما تقدم المخاطر التلقيدية المتمثلة في حشرة الأرضة والحر والرطوبة، والأمطار وسوء التخزين – الذي أشرنا إليه سابقا – وكوارث الجفاف ، والتصحر، والنقل المستمر من مكان إلى آخر أثناء عملية الترحال عند الأقوام الرحل ، الأمر الذي يلحق الضرر البالغ بالمخطوطات القديمة التي تحتاج دائما إلى الكثير من الرفق، والمحافظة وبرغم كل ما سبق ذكره فإن هذه المنطقة كما لاحظنا ما زالت تزخر بمكيات ضخمة من المخطوطات والوثائق التاريخية المهمة المكتوبة باللغة العربية.

ونحن منن خلال هذه المساحة البسيطة التي أتيحت لنا لعرض هذه النبذة المتواضعة ، ندعو الأخوة المهتمين بالحفاظ على التراث العربي الإسلامي ، بل والتراث الإنساني عموما ، ندعوهم أن يمدوا لنا يد العون ، ونضم جهدنا البسيط إلى جهودهم لكي ننقذ معا ما يمكن إنقاذه من هذا الموروث الحضاري الثري ، المهدد بالضياع والتلف والفناء ...!!

 

 

(0) تعليقات

الشيخ / سيديا الكبير _ 1776 _ 1868 م ، من أعلام القادرية الكنتية العظام في الغرب الإفريقي :

خريطة موريتانيا
خريطة الجمهورية الإسلامية الموريتانية
حمّلها sayedbenalfardy يوم الخميس, 15 شوال 31, 8:19 م (توقيت القدس)
هو الشيخ / سيديا بن المختار بن الهيبة الأبيري الإنتشائي ، تناول سيرته العطرة الكثير من الكتاب والمؤرخين من أهل الشرق والغرب ، دون أن يوفوه حقه .
وفي هذه العجالة سنتناول قبسات مضيئة ، ومحطات فارقة من حيات الشيخ ، مستعينين ببعض ما كتبه عنه كتاب من قطره ، وكتاب من المغرب .

يذكره العلامة / محمد المنوني _ رحمه الله وطيب ثراه _ من خلال حديثه الشيق عن دور القادرية الكنتية في المنطقة _ الصحراء الكبرى وبلاد السودان _ ونداءاتها المستمرة إلى ضرورة الإستعداد لمقاومة التدخل الأجنبي الوشيك ، والذي بدأت بوادره تلوح في الأفق ، فقال عنه :
... وكان من بين الدعاة بالصحراء زمر من اتباع القادرية الكنتية ، ويتقدمهم الشيخ / سيديا بن المختار بن الهيبة الأبيري ، وهو الذي له الحظ الموفور ، واليد البيضاء في نشر الطريقة المختارية بالصحراء ، والسودان .

ويقول عنه كاتب مغربي آخر :
تحت عنوان : الإحياء ، والتجديد الصوفي في المغرب :
 
... الشيخ / سيديا الكبير ابن المختار .. تتلمذ على خيرة أعلام الزاوية _ يقصد القادرية _ من أمثال : الشيخ / المختار بن أحمد ، وابنه : محمد ، كما تتلمذ على شيوخ آخرين أمثال : عبد الجليل العلوي ، وحبيب الله بن القاضي الإيجيجبي .
 
ثم يضيف : أقام الشيخ / سيديا زاويته وسط قبيلته بموريتانيا .. وقد تحولت بفضل مجهوداته إلى مركز ثقافي ، وديني ، وتجاري ؛ مشع فألتفت حولها قبائل الصحراء ، إذ تحولت زاويته إلى حرم آمن ؛ فيجتمع عنده أحدهم بمن قتل أباه أو أخاه فيجلسهما على مائدة واحدة حتى يتصالحا .
 
وقد اشتهرت _ زاوية الشيخ سيديا كذلك _ بخدماتها الإجتماعية ، فضلا عن دورها العظيم في نشر الإشعاع العلمي وبث تعاليم وقيم الدين الحنيف بين كافة الأقوام والقبائل المحيطين بها.

وفي مطوية نشرتها عنه مؤسسة الشيخ / سيديا الثقافية، تقول :
ولد ونشأ_ الشيخ _ في منطقة الترارزة المعروفةأيضا بـ : منطقة القبلة في الغرب الأوسط من بلاد موريتانيا الحالية على بعد : 150 كلم إلى الشرق من العاصمة نواقشوط .
 
تلقى أولى معارفه في محيطه الأسري ، قبل أن يغادر في رحلة طلب العلم التي دامت 37 سنة منها 13 سنة في دراسة علوم اللغة والمنطق على العلامة / حرمة بن عبد الجليل العلوي ، وقضى أربعا يدرس الفقه على الشيخ / حبيب الله بن الشيخ / القاضي الإجيجبي ، ثم توجه إلى مدينة تيشيت حيث أمضى سنة في المطالعة في مكتباتها العريقة ، وبعد ذلك انطلق إلى الشيخ / سيد المختار الكنتي ، في منطقة أزواد شمال شرق جمهورية مالي حاليا ، وأمضى هناك : 16 عاما مع الشيخ / سيد المختار ، وابنه الشيخ / سيدي محمد ، وعاد إلى مسقط رأسه بعد هذه النجعة الطويلة بعلم وافر ، سنة : 1827 م، وأسس زاويته العظيمة الشأن ، والذائعة الصيت في عموم المنطقة .
 
كرس الشيخ / سيديا معارفه الواسعة ونفوذه الروحي ، والسياسي الكبير لإصلاح أوضاع مجتمعه ، فأصبح حكما في المنطقة ووجها من أبرز وجوهها العلمية والسياسية في القرن 19 م الميلادي ، حتى قال عنه صاحب كتاب الوسيط :
إنه العلم الذي رفع على أهل قطره واستظل به أهل دهره ، وماذا أقول في رجل اتفق على أنه لم يظهر مثله في تلك البلاد .
 
 وقد لاقى نجاحاكبيرا لا في موطنه الأصلي _ الترارزة _ فحسب ، وإنما في عموم المنطقة الصحراوية ، والضفة اليسرى لنهر السنغال ، بل وفي الغرب الإفريقي كله ، وأصبحت حضرته قوة اجتماعية واقتصادية ، وسياسية كبيرة ، يتجاوز نفوذها إطاره القبلي وحيزه الجغرافي .

وفي علاقاته الخارجية :

اتصل بملك المغرب ؛ عبدالرحمن بن هشام _ 1822 _ 1859 م ، الذي أكرمه واستبقاه معه نحو سنة كاملة ، وعاد من المغرب بمكتبة عظيمة .

مؤلفاته :

ترك الشيخ / سيديا الكبير أزيد من 50 مؤلفا في مختلف معارف عصره إضافة إلى عدد كبير من الرسائل والفتاوي ، وديوان شعر مجموع ومحقق .

دوره في التصدي للتدخل الأجنبي :

عمل الشيخ على التصدي لمحاولات التغلغل والتوسع الإستعماري الفرنسي في البلاد ، وعقد في يناير 1856 م ، مؤتمرا لهذه الغاية عرف بـ : مؤتمر تندوجه _ 75 كلم شمال أبي تيليميت _ وهي محل إقامة الشيخ ، وحضر المؤتمر :
الأمير / محمد لحبيب ، أمير الترارزة ، والأمير / محمد سيدي ، أمير البراكنة ، والأمير / أحمد بن عيده ، أمير آدرار ، ومبعوث عن الأمير / بكار بن أسويد أحمد ، أمير إدوعيش ، حيث استكمل أميرا : الترارزة ، وآدرار المصالحة بينهما هناك بعد خلاف استمر عدة سنوات .

ويعتبر هذا المؤتمر الأول والأكبر من نوعه الذي عرفته البلاد بهدف مواجهة الإستعمار الفرنسي الذي لم تنجح محاولاته المتكررة للسيطرة عليها حتى عام : 1905 م.
 
ولا يخفى على لبيب غرض  الشيخ سيديا من عقد هذا المؤتمر في هذا التوقيت بالذات ، وسعيه لرص الصفوف الداخلية ، ونزع الإحتقانات الصغيرة  بين أمراء المناطق في القطر ،  والإستعداد لمواجهة الأخطار الخارجية التي بدأت تكشر عن أنيابها على الضفة الأخرى للنهر حيث تعسكر فرنسا الإستعمارية منذ قرون تعد العدة ، وتحيك المكائد والمؤآمرات لإقتحام تراب البيظان كما كانت تعرف المنطقة في تلك الحقبة . 

(6) تعليقات

روضة الشيخ سيد المختار الكنتي العقبي الفهري

روضة الشيخ سيد المختار الكنتي العقبي الفهري
هذا المبنى يحتوي على مدخل وثلاث غرف ، فيها ضريح : الشيخ سيد المختار الكبير .. والشيخة لاله عائشة زوجه ، ابنه البكر زين العابدين ،، وابنه : سيدي حمه الأمين ،، وابنه : الشيخ سيدي محمد ، وابنه : سيدي حبيب الله صاحب الخلوة ... والمكان منطقة : قصــر الشيخ ، حيث كانت تقطن حلة الشيخ سيد المختار في حياته ، وحياة الشيخ سيدي محمد ، ويبعد عن قاوه : ( 360 ) كيلومترا ونفس المسافة تقريبا عن تمبكتو ..
حمّلها sayedbenalfardy يوم الخميس, 12 ربيع الأول 31, 10:42 ص (توقيت القدس)

ويقول الشيخ / سيديا بن  المختار بن الهيبه الأبيري - طيب الله ثراه - ( 1780 - 1869 م ) في رثاء الشيخ / سيد المختار الكبير الكنتي ( 1730 - 1811 م ) :

يا روضة ينزوي عن زورها البوسُ *** وجارُها بجوار اللــه محـروسُ
لا يَخشـى من دواهي الدهر داهمة *** ولا تحل بواديــه الأباليــــــــــسُ
ضـــــمت نوافحَ يُمنٍ ربما بعثت *** من الحِجَا ما أماتته الروامـــــــيس
ومُشْرقاً ساطــع الأنوار قد قُبست *** لمن دجا حاله منه المقابـيـــــــــس
يُشفـى من المرض المعيي تطببـه *** من زارها ودليل الصدق محـسوس
كفى بإغراء من حـلىَ مُعطِلـــها *** وراح عنها به رجس وتدنيــــــــــس
على زيارتها مولى خلافتــــــه *** إذ جاء يَنْشُُدُه والليلُ ملبــــــــــــــوس

زُرنا ولا تتخلف عن زيارتنا *** ففي زيارتنا أُنْسٌ وتقديـــــــــــــــــــس
فيها الشفاء وفيها بُرْءُ ذي دَنَف *** وللشدائد تفريجٌ وتنفيـــــــــــــــــــسُ
سقاك من دِيَمِ الرضوان مُنْهَمِرٌ *** عذبُ الرِوى صوبُهُ بِرٌ وتانيـــــــــس
جَوْنٌ به رأفة الرحمان حاديَةٌ *** يَحْتَثُها من سماء الجود تَرْجيـــــــــــس
بكُلِ ما تشتهيه النفس من رغد *** وكلِ ما يستميل ُ الطٍرْفَ مَبْجُــــــوس
ياروضة القدس لازالت مقدسةً *** أرضٌ بها أنت حيث القدس مرمــوس
جرت عليها ذُيُولَ الدجْنِ غاديةً *** يَحْدُو بها من حُداةِ الروْحِ تنفيـــــــس
وطْفاءُ حافلةُ الأخلافِ هَيْدَبُها *** له على الأرض تَدْفِيفٌ وتقويــــــــــس
تُهْدي على الهَضْبِ والوُهْدانِ مُعْتَرَكاً *** من وقْعِهِ لِهَزِيمِ السيلِ تَعْكيـــس
تُسْدي حَوائكُها في كلِ مُمْحِلةٍ *** مُنَمقاً فيه تطْبيقٌ وتَجْنيــــــــــــــــــــس
فتُصْبحُ الأرضُ في حَلْيٍ وفي حُللٍ *** تغْذُو كأن مجاريها قواميــــــــــس
ويُصْبحُ الروضُ في أرجائه لَجَبٌ *** من طيره فكأنه مداريـــــــــــــــس
ويُصْبحُ الدهرُ في أمنٍ وميمنةٍ *** وخًفْضِ عافيةٍ له ملابيــــــــــــــــــس
ويُصْبحُ النعًمُ المهزولُ في نِعًمٍ *** يَبْئَ بِهِن المُسِنُ والبوابيــــــــــــــــس
هذا ومُسديك ما أسداك من شرفٍ *** تَقَطعتْ حسداً منه الدياميـــــــــــس
ما إن سعت قدمٌ تستاقها قدمٌ *** ولاخَدَتْ في الدجى نُجُبٌ عَراميـــــــــس
يَخُضْنَ في لُجَجِ المَوْمَاةِ أذْرُعَها *** لِرَحْبِ صَفْصًفِها الضاحيِ مقاييــــس
يَحْمِلْنَ أبناءَ سَيْرٍ حًثهُمُ شَغَفٌ *** لهم على الدأبِ إِدْلاجٌ فتعْريــــــــــــــس
إِلى مزورٍ جديدُ الأرضِ كافِتُهُ *** ممن له في مَقَام الإرثِ تَرْسيــــــــــــس
أجل قدرا ولا أجدىَ مدافعةً *** عمن له سببٌ في الدين ممْــــــــــــــــروس
ولا أدل على نهجِ الرسول ولا *** أدرى بما ضُمِنتْ منه القراطيـــــــــــس
ولا أحَظ ولا أحظى بمنزلةٍ *** عن دركها كلُ ذي علياء مـــــــــــــــردوس
ولا أشد على الأعداء رجْرجَةً *** ممن به الرغْسُ في مغْناكِ مغـــــــــروس
بل خيرُ من وخَدتْ خُوصُ الرِكابِ له *** ومن تضاغَتْ حواليْهِ القرابيــــس
ومن به أحدقت في محفلٍ زُمرٌ *** ومن بيافوخه لِيثَ القلانيــــــــــــــــــــس
بل فيكِ بحرُ ينابيعِ المداد ومن *** ضوءُ النباريس من ضاءيهِ مقبــــــــوس
مِفْراجِ كلِ حَزيبٍ ضاقَ مَخْنَقُهُ *** مفتاحِ كلِ عويصٍ فيه تلبيـــــــــــــــــس
مَنْ صَوْغُ أفعل في التفضيل مُطردٌ *** في كل أفعاله الفُضْلى ومقيــــــــوس
وفيكِ دُرةُ غَوْصٍ ما تجودُ بها *** للغائصين مَدَى الدهرِ القماميـــــــــــــــس
..........
 

(8) تعليقات

من وصايا الجـــد الشيخ / سيد أحمد البكاي بودمعة الكنتي العقبي الفهري ....

صفحتان جميلتان من كنز مخطوطات الصحراء .. شمال مــالي .
حمّلها sayedbenalfardy يوم الاربعاء, 15 رمضان 28, 10:52 م (توقيت القدس)
ولد الشيخ / سيد أحمد البكاي بودمعة - هذا المربي الصوفي الكبير ، الذي ملأت دعوته الآفاق ، وامتدت لقرون في القارة الإفريقية تحمل لواء الإسلام العظيـــم ، وتبدد ظلمات الجهل ، والوثنية الغارقة في التخلف -  ولد على وجه التقريب في الثلث الأول من القرن الهجري التاسع ، في منطقة واد نون ببلاد المغرب .
 
وهناك تلقى الشيخ تعليمه الأولي على والدته تلك المرأة الجكنية الفاضلة المربية ذات العلم الجم والخلق الكريم ، ثم أكمل تعليمه العالي - كعادة ابناء البيوتات العلمية من أهل المنطقة في تلك الأزمنة - في زاوية والده الشيخ / سيد محمد الكنتي الكبير ذات الشهرة والصيت .
 
 وقد عاش سيد أحمد البكاي أغلب حياته في الحيز الجغرافي الممتد بين منطقة الساقية الحمراء ، وتيرس زمور ، وفيه أكمل تعليمه ، وتزوج  وأسس أسرة طيبة ، وأنجب بنيــه الثلاثة ، وواصل رسالة والده في التعليم ، والدعوة ، والإرشاد .
 
وعندما تقدمت به السن ورأى أنه انجز رسالته الدعوية والتعليمية في تلك المنطقة ، أراد أن يختم مسيرته تلك بالقيام برحلة الحج إلى البقاع الطاهرة ، وزيارة روضة الحبيب المصطفى - صلى الله عليه وسلم - فترك أهله وبنيه - الثلاثة الذين سيصبحون فيما بعد أجداد سائر العشائر الكنتية ( سيد محمد الكنتي الصغير .. وسيد بوبكر الحاج .. وسيد عمر الشيخ ) - هناك واتجه مع بعض تلامذته ومريديه صوب الديار المقدسة .
 
 ومر الشيخ في طريقه إلى الحج بمدينة ولاته - وكان طريق الحج يمر بها -  وهناك حدثت معه القصة الشهيرة مع أهل هذه المدينة ، والمتداولة هناك إلى يومنا هذا ، ويمكن لم شاء أن يرجع إليها مدونة بكل تفاصيلها في مصادر تاريخ تلك الحقبة .
 
وبقي الشيخ في المدينة ما شاء الله له أن يبقى  ، وقد اجتمع عليه الناس وتعلق به عامة أهل البلد ، وأهل حله وعقده ، وعندما أراد استئناف رحلته التي كان بصددها ، حاجه سكان المدينة في ذلك أيما محاججة ، مبينين له أن مهمته عندهم لم تنتهي بعد بل ربما تكون الآن بدأت ، فهم جميعا بحاجة ماسة إلى استقراره  بينهم ؛ لتثقيفهم في أمور دينهم ، والأخذ بأيديهم إلى جادة الحق ، ومساعدتهم في تربية أجيالهم تربية اسلامية صحيحة .
 
فلم يكن أمام الشيخ من مفر تحت هذا الإلحاح والضغط إلا الرضى والقبول بالبقاء بين هؤلاء الناس الطيبين الذين غمروه بكل هذا الحب ، والتقدير ، والمودة ، فنصب خيمته بين ظهرانيهم ، وكرس جل وقته في تعليمهم مباديء دينهم ، واصلاح أمورهم الدينية والدنيويه فقد أصبح بالفعل هو ، وزاويته ، وتلامذته ، ومريديه محور حياة أهل ولاته الحاضر منهم والبادي .
 
 وتذكر المصادر أنه أثناء مفاوضاته معهم اشترط عليهم ليوافق على البقاء في بلدتهم ؛ ألا يخالفوه في شيئ يأمرهم  به من شرع الله ، وسنة نبيه الكريم - صلى الله عليه وسلم - ، فوافقوا ، وأعطوه على ذلك العهود ، والمواثيق ، وأقسموا عليها بالأيمان المغلظة .

وكانت ولاته - حينذاك - رغم قدم الإسلام فيها إلا أن عادات أهل البلاد الأول فيها كانت غالبة على معظم الحياة الأجتماعية في المدينة ، ( وقد تحدث عن تلك العادات باستفاضة واستهجان كبار الرحالة العرب الذين زاروها أو كتبوا عنها قبل استقرار الشيخ فيها )  وخاصة عادة الإختلاط بين الجنسين ، وسفور النساء ، واستطاع الشيخ معالجة  هذه الظاهرة برفق واجتثاثها من جذورها ، وبين مضارها على المجتمع ومدى مخالفتحها الصريحة لمباديء الدين الإسلامي القويم ، وأمر النساء بالحجاب الشرعي وأمتثلن لأمره ، وأمر ألا يدخل أحد بيت غيره إلا بالضوابط الشرعية المعروفة وأمتثل لأمره ، واستقام أكثر أهل المدينة على السنة المشرفة ومباديء الدين الحنيف .
 
 وفي الأثناء تتلمذ على الشيخ أغلب أبناء ولاته ، وابناء القبائل القاطنة في المنطقة المحيطة بها ، وأخذوا عليه العلوم الشرعية وغيرها ، والتربية الصوفية الصحيحة ، فكانوا خير امتداد لمدرسته الدعوية في المنطقة ، بل وسائر مناطق إفريقيا الغربية لاحقا .
 
 وتقول المصادر التاريخية أن هذا التأسيس العلمي الروحي التربيوي الذي وضع لبناته الشيخ / سيد أحمد البكاي ، هو الذي جعل من كنته - لاحقا - دعاة الإسلام الأبرز والمشرفين الروحيين على سائر قبائل الصحراء الكبرى وبلاد السودان الغربي .
 
وقد اختلفت المصادر التاريخية لتلك الحقبة  في ضبط وتحديد تاريخ وفاة الشيخ / سيد أحمد البكاي ؛ فمنهم من يجعل الوفاة في حدود : 920 هـ ، ومنهم من يؤرخ لها بـ : 934 هـ ، ومنهم من يعطي تارواريخ أخرى غير ذلك .. 

وهنا اسمحوا لي أن أسرد نص بعض وصايا الشيخ / سيدي أحمد البكاي بودمعة لبنيــــه ومن يسير على دعوته المباركة كما وردت في كتاب الإرشاد لحفيده الشيخ / سيد المختار الكبير الكنتي  ( منقول من كتاب : النفحات البهية في أفنان الشجرة الكنتية ، للأستاذ / عقباوي عزيزي بوبكر ) مع بعض التصرف لتوضيح منهج مدرسة الشيخ في الدعوة إلى الإسلام والتربية والتعليم  :

* يا بني عليكم بتقوى الله ؛ فإنها سبب كل فتح ، والسُلم الذي يرتقى به إلى كل نجاح .

* وعليكم بالفرار بدينكم ؛ فإن هذا الزمان لا يسلم فيه لذي دين دينه ، إلا من فر بدينه من قرية إلى قرية ... واقتدوا في ذلك بقول نبيكم صلى الله عليه وسلم : يوشك أن يكون خير مال المسلم غنيمة يتتبع بها شعب الجبال ، ومواقع القطر ...يفر بدينه من الفتن ..

* واجتهدوا في طلب العلم ؛ فإن عبادة بلا علم تكون يوم القيامة هباء منثورا ..

* ولا تفارقوا جماعة العلم فتفارقوا دينكم وأنتم لا تشعرون ..

* واعلموا يا بني أن من قنع بما قسم الله له مات غنيا ، ومن مد عينيه إلى ما في أيدي الناس مات فقيرا .. قال تعالى : (( ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى )) ، فإن من لم يرض بما قسم الله له فقد اتهم الله - سبحانه وتعالى - في قضائه .
 
 ومن استصغر زلة نفسه استعظم زلة غيره ، ،،
 
ومن كشف عورة غيره انكشفت عورات نفسه ،،،
 
 من سل سيف البغي قتل به ،،،
 
 ومن حفرلأخيــه بئرا وقع فيها ..
 
ومن خالط السفهاء احتقــر ..
 
ومن خــالط العلمــاء وقــر ..
 
ومن دخل مداخل السوء اتهــم ..

* ولا تزدروا الرجال فتزدريكم الرجال

* وإياكم والدخول فيما لا يعنيكم فتذلوا بذلك ..

* واتبعوا الحـــق لكم أو عليكـــم ..

* وكونوا لكتاب الله تالين ..
 
وللسلام فاشين ..
 
وبالمعروف آمريــن ..
 
وعن المنكر ناهيـــن ...
 
ولمن قطعكم واصلين ...
 
ولمن هجركم مبتدئيين ...
 
ولمن سألكـــم معطيـــن ...

* وإياكم والنميمة ؛ فإنها تورث الشحناء بين الرجال ...

* وإياكم والتعرض لعيوب الناس ...

* يا بني إن طلبتم الجود فعليكم بمعادنه ؛
 
فإن للجود معادنا ،
 
وللمعادن أصولا ،
 
وللأصول فروعا ،
 
وللفروع ثمارا ،
 
ولا يطيب الثمر إلا بفرع ،
 
ولا الفرع إلا بأصل ،
 
ولا أصل إلا بمعدن طيب ..

* وإذا زرتم فزوروا الأخيار ، ولا تزوروا الفجار؛ فإن زيارتهم لا خـــير فيها ..

* وعليكم بالحرث في المعادن الطيبة ؛
 
فإن البلد الطيب يخرج نباته طيبا بإذن ربه ،
 
والذي خبث لا يخرج إلا نكدا ،،،
 
فإن نبيكم صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه - رضوان الله عليهم - :
 
(( إياكم وخضراء الدمن ، ،،
 
قالوا : يا رسول الله وما خضراء الدمن ؟
 
قال : المرأة الحسناء في المنبت السوء )) ..

* واعلموا يا بني أن سلفكم كانوا لا ينكحون إلا صالح كل قوم وخير كل قبيلة ، فإن الشاعر يقول :

فأول خبث الماء خبث ترابه *** وأول خبث القوم خبث المناكح ....

* واعلموا يا بني إن العرق نزاع وأن المرأة تلد :
 
أباها ..
 
وأخاها ..
 
وعمها ..
 
وخالها ..
 
وأن آباءكم كانوا يحافظون على انسابهم ، ويحافظون على دينهم ، وأحسابهم ..
 
وقال النبي : - صلى الله عليه وسلم - للذي استفتاه في النكاح بعد أن عدد له الأسباب التي تنكح المرأة لأجلها .. (( .. فاظفر بذات الدين تربت يداك ))


* وأوصاهم كذلك بحفظ العهد ، وشدد عليه فقال لهم :
 
صحبة يوم: صحبـــــــة ..
 
وصحبة شهر : عهـــــــــــد .. 
 
وصحبة سنة : رحــــــــــم ؛
 
قطع الله من قطعها ..
 
ووصل من وصلها ..

ومن الوصايا التي تنسب للشيخ / سيد أحمد البكاي بودمعة كذلك ..:

* يا بني اتقوا ثلاثة أمور :

1 - الجمــــل في صولته ؛ فإنه إذا صال حطم ما تعرض له ..

2 - والسيــــل في هيجته ؛ فإنه إذا هاج أغرق ما تعرض لهيجته ..

3 - والعامــــة في غوغائها ؛ فإن من تعرض لها في فسادها وغوغائها فتنته ، وأهلكته ..

وختـــم الشيخ وصاياه بقوله :

واحفظوا وصيتي فإنكم إن حفظتموها عشتم سعداء .. ومتم شهـــــداء ...

وفي الختام رحمة الله على الشيخ الوالد ... وهل منا من مازال يسترشد بهذه الوصايا ، ويضعها في برنامج حياته ، ومعاملاته مع الآخرين ...؟!! مجرد تسائل !!!!
 
واترك تعميق ، وتحليل هذا المنهج الدعوي النير والوصايا الأبيوية الصادقة والمفعمة بالحرص الشديد على نشر السلم الإجتماعي بين شرائح المجتمع كافة ، اتركه للنقاش على هامش المقال وآمل من الجميع الإدلاء بدلائهم لتعميم الفائدة والإسترشاد بكل الآراء ، والرؤى ... 

(12) تعليقات

صفحات من تاريخنا النضالي من خلال أرشيف المستعمر ..

سيدي محمد الكنتي الفــــــــردي نموذجـــــــــــــــا :

هذه هي الصورة التي حاول كتبة تقارير المستعمر الفرنسي أن يرسموها عن المناضلين الذين أختاروا مقاومة الغزاة المعتدين ، وسأحاول نقل الصورة كما كتبت في محاضرهم ، وحفظت في أرشيفهم ؛ انظر كتاب : كنته الشرقيون ... تأليف : كاتب التقارير والمستشرق الفرنسي : بــول مـارتي ، ترجمة :
معالي الوزير الموريتاني السابق / محمد محمـــــــــــــــــود ودادي .

وإليكم النص مع حذف بعض العبارات الجارحة :

أما سيدي أق بالله ، وهو اسمه الذي اشتهر به لدى طوارق الشرق ، ولدى الزنوج ، كما يعرف أيضا باسم : سيدي محمد الكنتي من جانب العرب الشرقيين ، وذلك هو الصحيح ، لأنه :
سيدي محمد بن سيد المختار ( الفردي عرف بتلك الكنية لأنه لم ينجب إلا ابنا واحدا هو : سيدي محمد الكنتي موضوع حديثنا ) ابن سيدي حيب الله - صاحب الخلوة - ابن الشيخ / سيد المختار الكبير .
 
وقد ولد حوالي العام 1840 م في تمبكتو ، وأمضى شطرا من شبابه فيها وفي ضواحيها ، كما أتم فيها معظم دراساته .
 
وقد انصرف عن العبادة والدراسة في وقت مبكر ، واتجه نحو لهوٍ غير برئ ، فبالإتفاق مع الطوارق كان يسلب القوارب في ضواحي قورما ، ومن ثم اشترك بقسط وافر في كل الأحداث السياسية في الشرق من العام 1894 م حتى أيامنا .

ومنذ الأيام الأولى من احتلالنا البلاد أظهر تجاهنا العداوة ، وذلك بتجنيد الأنصار الطوارق في محاولته تحريضهم ضد النقيب البحري : بواته الذي وصل للتو إلى تمبكتو ، وبعد ما اشترك في الإعتداء على حامل الراية العربية ( اسم زورق حربي للغزاة الفرنسيين ) .
 
وبعد قليل من هزيمة تكوبا ( معركة شرسة بين الفرنسيين والمقاومة تكبد فيها الغزاة خسائر كبيرة وقتل فيها الكثير من ضباطهم وجنودهم ) هرع إلى قبيلة : تنقر إيقيف ، وانتزع من هؤلاء الطوارق أسلحتهم النارية وذخيرتها .... وأرسلها إلى أدرار إيفوغاس لأبناء عمومته كنته ....

وبين 1894 - 1896 م كان هؤلاء يشتركون في كل الغزوات الموجهة من كنته أو من كل انتصر ضد القبائل الطائعة أو التي كانت على علاقة بسيطة معنا .

وفي كل المعارك التي خضناها ضد المتمردين على الحكم الفرنسي في المنطقة فقد لاقيناه ، أولا في ( تيوكي ) حيث لم يكن يكف عن غزو الأصدقاء و الأعداء ، ثم نادى بالجهاد بين البرابيش ... ، ثم حاول أن يوجههم إلى تمبكتو ، وفي أبريل من عام 1895 م انقض وهو على رأس قطاع الطرق من إيلمدن  ( تجني ) على فخذ من الزوايا من أهل سيدي علي - والذين كانت خطيئتهم الوحيدة أنهم يعيشون في وئام مع الفرنسيين - فنهبه تماما .
 
وقد كان حاضرا في معركة أكنكان - في مارس 1896 م - مع ولده البكر : (( سيد أحمد البكاي )) الذي قتل ( استشهد ) على أيدي أنصار الفرنسيين ..... وجرى عرض رأســــــه في ســــــــــــــوق تمبكتو .

وقد أعلنت كنته عن خضوعها الرسمي في مايو ويونيو 1899 م ، ولكن سيدي محمد وعابدين وبعض الزعماء الآخرين رغبوا في البقاء خارج المفاوضات .
 
وقد ظهر للأول والثاني أن أملهما قد خاب لأن زمام قيادة القبيلة قد أفلت من أيديهما  ( !!! ) فراحا يبحثان عن طريق أخرى لإرضاء طموحاتهما ( يقصد سيد محمد والشيخ / عابدين المجاهد الكبير الذي جاهد وقاوم الغزاة على أكثر من جبهة في المنطقة ؛ فالإضافة إلى قتاله للفرنسيين في بلده الأول الذي يعرف الآن بمنطقة أزواد ، فقد قاتلهم في الجزائر ، وقاتل مع المقاومة التي قادها الشهيد عمر المختار في ليبيا ، وظل يقاتل الفرنسيين انطلاقا من الجنوب المغربي حتى بداية الحرب العالمية الثانية .. )
 
أما سيدي أق بالله أي (( سيدي محمد الكنتي ابن سيد المختار الفردي )) فقد لجأ إلى آمنوكال (( زعيم )) قبيلة إيلمدن وأصبح إمامه ومستشاره ووزيره في القضايا الخارجية .
 
 وقد وجدناه خلال أكثر من عشرة أعوام ضمن أطواره الغريبة ( يقصد يقاومهم ويحرض على مقاومتهم ) ، وهو الذي لم يعلن عن خضوعه كرجل كنتي ، ويتدخل بصفته مفاوضا وسفيرا لأمراء إيلمدن في كل المفاوضات التي عقدناها مع هذه القبيلة ، وكان دوره ينحصر بوضوح في الإنحياز لإيلمدن ضد ابناء عمومته كنته وضدنا ( !!! ) ، وكان يود - دون ريب - نظرا إلى أنه مشمول بأمان قبيلة إيلمدن أن يظل مقيما بجانبهم على شكل فخذ مستقل عن حمادي - شيخ قبيلة كنته - ، وعلى شكل شيخ مستفيد من الطوارق .

وكان مقامه العادي حينذاك إما في : ونــي ، وإما في تونضبي ... على النهر من جانب ضفة الهوسا ( الضفة اليسرى  ) .
 
وكان يمارس هناك تجارة الملح من تاودني ، وتجارة الإبل والماشية في كل مكان تقريبا ،.
 
وقد ضم من حوله رجال قبيلة شمنامس المتمردين ، وكان رجاله يرتكبون سرقات واغتيالات في كل قرى النهر .
 
وفي شهر مارس 1902 م قام ابنه : عابدين بنهب جماعة من تايتوق الذين نزلوا لتقديم خضوعهم في مدينة قاوه .

وبعد قليل عندما جهزت كنته غزوا ضد قبيلة إيلمدن قام سيدي بإعلام هؤلاء بالأمر فأخذوا أهبتهم وداهموا كنته ، ولم تقدر النجاة لهؤلاء بعد أن فجئوا إلا بعد استخدامهم الأسلحة النارية التي سبق أن أعرناهم إياها .

وفي نهاية العام 1902 م وفي الوقت الذي كنا نجهز فيه رتلا متجها نحو أدرار إيفوغاس اضطررنا لتجنب غدر مماثل إلى اعتقال سيدي محمد الفردي في تمبكتو لبعض الوقت وكذلك اعتقال ولده : عابدين في بوريم .
 
وفي 1903 م تلقت كنته أمرا بالإنتقال إلى ضفة النهر اليمنى أي إلى نحو الجنوب ، وقد أظهر سيدي محمد الفردي تجاه ذلك معارضة سلبية ، وظهر بالتالي أنه هو الرابح وعلى الصواب .

فقد أعلن أنه مريض وحصل على إذن من حمادي ( .... ) على الترخيص بالبقاء على الضفة اليسرى ، وبذلك برهن للبدو بأنه على تفاهم مع الفرنسيين ، وأنه سيكسب منهم أكثر بكثير مما حصل عليه منهم زعيم القبيلة حمادي .

وطلب فهرون الأمان في يونيو 1903 م ولكن سيدي أق بالله (( سيدي محمد الفردي )) - وهو وسيط عجيب للسلام - انقض على مخيماته ونهبها وذلك في الوقت الذي كان فيه فهرون يجمع غراماته الحربية .
 
وثابر سيدي محمد الفردي حتى يبرهن على عداوته لنا وذلك بمنحه الملجأ باستمرار للشمنامس ، وهم الوحيدون من قبيلة إيلمدن الذين لم يعلنوا عن خضوعهم ، وعندما ندب ضد هذا الفخذ كنته الشمال ، ولكن هؤلاء أخطأوا إذ انقضوا على كل أهارا وهو الفخذ الرئيسي من إيموشاغ إيلمدن ونهبهم بقضهم وقضيضهم .واضطر الشمنامس مع ذلك للخضوع بعد وقت قليل دون أن يسايرهم سيدي محمد مع ذلك في هذا الإتجاه .
 
وفي عام 1904 م قامت جماعة تدبوكه ، وهم  فخذ من تلاميذ سيدي بنهب قرية لو كوتورو ( قاوه ) وتغاضى سيدي عن ذلك بكل سكينة .
 
وعانى حمادي ( شيخ قبيلة كنته حينذاك ) كل البلاء حتى يقدم تعويضات ويدفع دية الدم ، واضطر أخيرا إلى تسديد ذلك من جيبه لعجزه عن التوصل إلى نتيجة كاملة مع هذا الشيخ العجوز ، وحيائه من إبلاغ السلطة الفرنسية بسلوكه .

وعلى أثر اضطرابات المنطقة واغتيال الملازم / فابر ، حيث كنا منهمكين في تجهيز رتل وطلب أعوان من حمادي أنذر سيدي محمد ، حمادي بأنه إذا انطلق في رتل مع النصارى فإن كل جماله ستفنى وأنه سيهلك حرقا بالنار ، وناشد مختلف زعماء المخيم برفض تقديم الحيوانات المطلوبة ، وحث قرى كويروبورو ( سكان قرى النهر ) في الوادي على عدم تقديم معونتهم لعبور النهر ، والإمتناع عن ممارسة مختلف النقليات النهرية .

وفي عام 1906 م وعلى أثر حوادث موريتانيا المؤسفة جرب سيدي محمد الفردي دعايته المفسدة على البرابيش ، ولم يحصل لنفسه بعد نصائحه الخبيثة من مهمد ولد دحمان زعيمهم ( شيخ فخذ أولاد سليمان من عرب البرابيش ) على أكثر من أنه لم ينضم للمتمردين ، ونتيجة لذلك تم اعتقاله في تمبكتو ، ثم أطلق سراحه مع أمر بالعودة لمنازله والبقاء هادئا تحت أوامر حمادي زعيم القبيلة .
 
ولكن شيئا من ذلك لم يحدث فبعد بضعة أشهر علمنا بوجوده في تمبكتو حيث كان يتباهى بأنه على درجة من القوة تجعله يمكث في المدينة رغم أنف الفرنسيين ونتيجة لهذا الموقف تعرض لعقاب تأديبي وعاد بعدئذ إلى مخيماته ، فأقام عندئذ قرب بوريم ، وحصل من رئيس المركز العسكري على ترخيص مكتوب بالبقاء في المنطقة المجاورة مبرهنا بذلك على أنه انحاز إلى جانب الفرنسيين بكل معنى الكلمة ، ولكنه كان يستغل من ناحية أخرى الورقة التي يحملها ليقنع الناس بأنه مستقل تماما عن حمادي ، ومكنه ذلك من الحصول على الهدايا من الطوارق .
 
وبعد كثير من المفاوضات اضطر هذا الزعيم أخيرا لطلب أمان صادق من الفرنسيين في عام 1908 م .
 
وتوفي في شهر أغشت 8 / 1909 م ، وقد ترك في المنطقة شهرته بالدهاء السياسي العظيم ، فقد كان رجلا ذكيا عميق الثقافة ، ومبجلا كشيخ ، فقد كان على علاقة مستمرة مع كل القبائل الموريتانية والطوارق ، وحتى مع السلطان عبد العزيز ......

(4) تعليقات

قرأت لكم ... مصطلحات ومفاهيم معرفية ..

الرسالة القشيرية
هذا الكتاب للعلامة : عبد الكريم بن هوازن بن عبدالملك بن طلحة بن محمد القشيري النيسابوري . وهو من أهم مصادر علم التصوف الإسلامي ، يتحدث عن أعلام التصوف ، ويشرح مفاهيمه ،ومصطلحاته ..الخ.
حمّلها sayedbenalfardy يوم السبت, 10 شعبان 30, 9:21 ص (توقيت القدس)
الــوقت :

ماهي حقيقة الوقت عند الصوفية ؟

حقيقة الوقت عند أهل التحقيق حادث متوهم ( أي يكون وقوعه في المستقبل ) علق حصوله على حادث متحقق
( المعنى : حادث متحقق عُلق عليه حصول حادث متوهم ) .
فالحادث المتحقق وقت للحادث المتوهم ، مثلا تقول : آتيك رأس الشهر ، فالإتيان متوهم ورأس الشهر حادث متحقق ، فرأس الشهر هو وقت الإتيان .
يقول المصنف - رحمه الله - : سمعت الأستاذ ( يعني الدقاق رحمه الله ) يقول : الوقت ما أنت فيه ....
فإن كنت بالدنيا فوقتك الدنيا ، وإن كنت بالعقبى فوقتك العقبى ، وإن كنت بالسرور فوقتك السرور ، وإن كنت بالحزن فوقتك لحزن ..
يريد بهذا أن الوقت ما كان هو الغالب على الإنسان ...
وقد يعنون بالوقت : ما هو فيه من الزمان ، فقد قال بعضهم : الوقت ما بين الزمانين ؛ أي ما بين الماضي والمستقبل .
ويقولون : الصوفي ابن وقته ... يريدون بذلك أنه مشتغل بما هو أولى به في الحال .. قائم بما هو مطالب به في الحين ..
وقيل الفقير .. لا يهمه ماضي وقته وآتيــه ، بل يهمه الذي هو فيـــه .
وقيل : الإشتغال بفوات وقت ماضي تضييع وقت ثان .

وقد يعني الصوفية بالوقت : ما يصادفهم من تصريف الحق لهــم دون ما يختــارون لأنفسهم ..
ويقولون : فلان بحكم الوقت .. أي أنه مستسلم لما يبدو له من الغيب ، من غير أختيار له ، وهو فيما ليس لله تعالى فيه أمر أو أقتضاء بحق شرع ...
 إذ أن  التضييع لما أُمرت به ، وإحالة الأمر فيه على التقدير وترك المبالاة بما يحصل منك من التقصير خروج عن الدين ..

وقالوا : الوقت سيف ، أي : كما أن السيف قاطع فالوقت بما يمضيه الحق ، ويجريه غالب ..
وأنشدوا :
وكالسيف إن لا ينته لان مســـه // وحداه إن خاشنته خشنان .
 
يقول الدقاق - رحمه الله - : الوقت مبرد يسحقك ولا يمحقك .. يعني : لو محاك وأفناك لتخلصت حين فنيت ، ولكنه يأخذ منك ، ولا يمحوك بالكلية ..
 
ويقولون : والكيس - الفطن حسن الفهم - من كان يحكم وقته وإن كان وقته الصحو فقيامه بالشريعة ، وإن كان وقته المحو فالغالب عليه أحكام الحقيقة ،
لأن من غاب عن إدراك نفسه وغيره ، فهو مشغول بالحق عن الخلق .

ملحوظة : الموضوع منقول من نص الرسالة مع تصرف بسيط .. ( تنبيـــه )  ..

(4) تعليقات

قرأت لكــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــم :

الباحث : عبدالله أحمد جاكيتي
الباحث : عبدالله أحمد جاكيتي .
حمّلها sayedbenalfardy يوم السبت, 02 ربيع الثاني 30, 11:37 ص (توقيت القدس)
رسالة علمية من إعداد الباحث / عبدالله أحمد جاكيتي ..
 بعنوان : الشيخ / سيد المختار الكبير الكنتي ، حياته ، وجهوده الأدبيــة في السودان الغربي "دراسة تاريخية ، وصفية ، تحليلية "
 
نقشت هذه الرسالة مؤخرا ( ديسمبر 2008 م ) في : كلية الدعوة الإسلامية ، قسم الدراسات العليا ، شعبة اللغة العربية وآدابها .. التابعة لجمعية الدعوة الإسلامية العالمية ، بالجماهيرية العربية الليبية ، بطرابلس .
 
وتحت إشراف الأستاذ الدكتور / هاشــــم المهــدي الشريـــف .
 
وقد جاءت دراسة الباحث / عبدالله أحمد جاكيتي ، مكونة من : مقدمة .. وتمهيد .. وثلاثة فصول .
 وقسم الفصول إلى عدة مباحث ..  ثم خاتمة ..  وملاحق ..  وفهارس ، فجاءت الرسالة كلها في  ثلاثمائة صفحة ( 300 ) .
 
وقد تركزت المقدمة - كالعادة - على أهمية الموضوع ، وأسباب أختياره ، وأسئلة البحث ، وحدوده ، والدراسات السابقة عليه في الموضوع ، والمنهج الذي اتبعه في بحثه ، ثم ذكر بعض الصعوبات التي واجهته أثناء إعداد الرسالة ، ثم تناول هيكلية البحث .

وفي التمهيد عرف الباحث المقصود بمصطلح : السودان الغربي تاريخيا وجغرافيا عند المؤرخين والجغرافيين العرب قديما وحديثا ، وتحدث فيه عن الحياة الإجتماعية .. والإقتصادية .. والسياسية .. والثقافية للمنطقة .. وأشار إلى مظاهر الثقافة العربية التي سادت في المنطقة في فترة بحثه ..
 
وفي الفصل الأول :
تحدث عن حياة الشيخ ، أدرجها في ثلاثة مباحث ..
 
وفي الفصل الثاني :
 تناول جهود الشيخ الدعوية في ترسيخ عقيدة الإسلام في المنطقة ، وقسمه إلى ثلاثة مباحث ؛
في المبحث الأول :
 تناول جهود الشيخ الدعوية وإسهاماته العلمية ( دعوة .. إرشاد .. تعليم ..مقاومة الأفكار الهدامة ) .
 
 وفي المبحث الثاني :
تحدث عن التصوف والحركة الصوفية في عصر الشيخ .. وفي بيئته ..
 
وفي المبحث الثالث :
تناول تجربة الشيخ الصوفية وأبعادها الوطنية والإقليمية .
 
وخصص الباحث الفصل الثالث والأخير :
لجهود الشيخ الأدبية ، وقسمه إلى تمهيد وأربعة مباحث :
 
وفي التمهيد :
قدم الباحث دراسة طيبة عن الحياة الأدبية في المنطقة آنذاك ، وحاول أن يستعرض مصادر شعر الشيخ .
 
وفي المبحث الأول :
استعرض نماذج من شعر الشيخ ، وبين الأغراض التي تناولها الشيخ في شعره ؛ ( مدح .. ووصف .. وفخر .. وحكمة .. وتصوف .. ووعظ .. وإرشاد .. وتوسل ..الخ )
 
وفي المبحث الثاني :
ذكر الباحث خصائص شعر الشيخ ؛ من البناء الفني إلى لغة الشعر إلى الأسلوب إلى ..ا.لخ.
 
وخصص المبحث الثالث :
 لنثر الشيخ ؛ من خطب ووصايا .. ورسائل .. وسائر مؤلفاته الخ .
 
وفي المبحث الرابع :
حاول الباحث أن يضمنه ما يرى أنه الخصائص العامة لنثر الشيخ ..
 
وفي الخاتمة :
خلص الباحث إلى نتائج عامة أجملها في اثنتي عشر نقاطة  أساسية :
 ذكر فيها منطقة السودان الغربي والحراك التاريخي .. والثقافي .. والسياسي .. والإقتصادي الذي مرت به عبر عصورها التاريخية ، وعلاقاتها ببلاد المغرب العربي ( الشمال الإفريقي ) ، والمشرق العربي قبل الإسلام وبعده .
 
وتحدث عن الوسط الثقافي والديني الذي تربى فيه الشيخ ودوره في تكوين شخصيته العلمية الثقافية والدينية .
 
ثم عرج على الأحياء .. والقرى .. والمداشر التي درس فيها الشيخ وحصل فيها معارفه ، وذكر أؤلئك النفر الأفذاذ الذين تخرجوا من مدرسة الشيخ العلمية ، والأثر الطيب الذي تركوه في بيئاتهم ومواطنهم لاحقا .

ثم استعرض  التراث العلمي الهائل الذي تركها الشيخ في مختلف ميدان العلم والمعرفة .
 
وذكر جهود الشيخ في الدعوة ، والإرشاد ، والإصلاح الإجمتاعي وغيره ... الخ .
 
في الحقيقة تعتبر هذه الدراسة العلمية التحليلية من خيرة ما كتب مؤخرا عن منطقتنا في التاريخ الحديث والمعاصر ؛  حيث تناول فيها الباحث بالدراسة والتحليل حياة هذا العلم البارز ، والمصلح المتميز ، والداعية المقدام ، والصوفي الزاهد ، والأديب الألمعي ، والكاتب غزير الإنتاج ، وصاحب المدرسة التربوية العلمية التي جمعت أشتاتا من مختلف الأجناس ، والأقوام ، والقبائل ، فنهلوا من معينها وأرتووا من نبعها الصافي الزلال الأمر الذي ساعدهم ، وساعدها على حمل راية نشر الإسلام بالتعليم والتربية  والتجارة في كل المنطقة الممتدة جنوبي الصحراء الكبرى في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين ، ويلاحظ أنه بقدر ما كانت هذه الرسالة دراسة لحياة الشيخ وموروثه العلمي ، كانت كذلك تأريخ ، وأضاءة هادفة على مجموعات بشرية ؛ حضرية وبدوية متنوعة بأجناسها وقبائلها ، وألوانها المختلفة ، وفي فترة زمنية مميزة ، وحييز جغرافي وديمغرافي متباين ، يقع بين أطراف الصحراء ، وأكناف  الغابة  والأدغال .
 
وهي في تصوري - المتواضع - دراسة تستحق أن تقرأ بوعي وتدبر عميقين من طرف المهتمين بالحياة الفكرية والثقافية ، والحضارية لهذه المنطقة  .
 
ونحن هنا - بدورنا - بل وكل محبي .. ومريدي الشيخ / سيد المختار في كل أرجاء العالم نبارك للباحث / عبد الله ... وندعو المولى - عز وجل - أن يوفقه في حياته العلمية والعملية ، وأن يكون النجاح والتوفيق حليفيه حيثما حل وأرتحل، وندعوا الله - تبارك وتعالى  - أن يجعل هذا الجهد العلمي الطيب في ميزان حسناته ، ونهنيء والده الفاضل الشيخ / أحمد جاكيتي .. ونقول له : هذا الشبل من ذاك الأسد ، ورحم الله السلف وبارك في الخلف .
 ونسجل في الختام للباحث الكريم  أسمى آيات التقدير والإحترام .


(16) تعليقات

مخطوطة متآكلة الأطراف بسبب حشرة الأرضة والقدم .

  صفحة بخط صحراوي جميل متآكلة الأطراف معروضة بمركز الشيخ / سيد المختار الكبير الكنتي ، للوثائق  والمخطوطات ، قاوه ، جمهورية مالي .
مخطوطة متآكلة الأطراف بسبب حشرة الأرضة والقدم .
حمّلها sayedbenalfardyيوم الاربعاء, 20 شوال 28, 4:33 م (توقيت القدس)

(8) تعليقات

sidi almuhktar alkuonty1

sidi almuhktar alkuonty1
حمّلها sayedbenalfardy يوم الاحد, 05 ربيع الأول 30, 9:38 ص (توقيت القدس)
مخطوطة من تراث الشيخ / سيد المختار الكبير الكنتي ، وقد غمرت المياه بعض صفحاتها ، وكادت تضيع أغلب معالم سطور الصفحة ، وهي معروضة الآن في مكتبة الكونجريس الأمريكي بواشنطن .

(6) تعليقات

كتاب مخطوط قديم بمركز الشيخ .

كتاب مخطوط قديم بمركز الشيخ .
مخطوطة قديمة من مخطوطات المركز وقد أكلت حشرة : الأرضة وسطها ، وأطرافها ، وأخترقت معظم صفحات المخطوط .
حمّلها sayedbenalfardy يوم الاربعاء, 04 شعبان 29, 6:22 م (توقيت القدس)
نموذج لما تتعرض له كتب تراثنا الجميل في المكتبات الأهلية من مخاطر تهدد ما بقي منها لم يهرب أو تخطفته أيدي سماسرة المخطوطات القديمة الذين أصبج نشاطهم المشبوه يتخطى الحدود بل القارات ... فهل من مغيث ؟!!!

(3) تعليقات

احتفالات العيد في أزواد

es_cham2
حمّلها sayedbenalfardy يوم الاربعاء, 22 ربيع الثاني 28, 5:30 م (توقيت القدس)
هكذا نركب الجمال في يوم العيد .... فعيد سعيد للجميع .. ومن العايدين والفايزين .. لكل الأحباب في الوطن الحبيب ، وهنيئا لكم طعم العيد فنحن هنا في الغربة نستحضر المناسبة ولا نذوق لها طعما.



(4) تعليقات

صورة مسجد جني التاريخي .

صورة مسجد جني التاريخي .
أكبر بناء طيني قائم في العالم .
حمّلها sayedbenalfardy يوم الخميس, 05 شعبان 29, 4:32 م (توقيت القدس)
تعتبر مدينة جــِـنَّـيْ التاريخية من أهم ، وأقدم المدن التي كانت مركز إشعاع ثقافي وروحي وحضاري في جنوب الصحراء الكبرى ، وعموم إفريقيا الغربية   ، في القرون الوسطى  .
ويعتبر مسجــــدها المميز أكبر بناء قائم من الطين اللبن في العالم ، وقد تأسس هذا المسجد بداية منذ القرن الثالث عشر الميلادي ، بناه ملك طيــــب كان يحكم هذه المنطقة في مكان قصره ، بعد أن شرح الله صدره للإسلام ، واسلم بإسلامه أغلب رعيته ودخلوا في دين الله أفواجا .
 وقد تعرض المسجد للهدم عدة مرات ، كان أحدها على يد أحد الملوك المسلمين بزعم الخشية من افتتان الناس به ، ولكن البناء الذي أمامنا الآن بني في عام : 1907 م أثناء الإحتلال الفرنسي ، على يدي مهندس بناء وطني يدعى : تــــــراوري .
ويعتبر هذا المسجد بكل المقاييس تحفة معمارية فنية مميزة قائمة بذاتها ، وعليه فقد وضعته منظمة : اليونيسكو ، في عام 1988م  في سجل التراث  الثقافي العالمي ، كأثر مميز ينبغي المحافظة عليه ، حيث أنه يمثل قيما معمارية فنية راقية جديرة بالتأويل والتفسير ، وتساهم في إثراء المشهد المعماري العالمي ، وتعتبر أشكاله ، وتصاميمه المعمارية إضافة مميزة ، ومنفردة للتراث المعماري الإنساني .
وقد حافظ أهل هذه المدينة الأصيلة على بناء مسجدهم الجميل ، بإقامة احتفال سنوي في كل عام يشارك فيه كل السكان ؛ الكبار ، والصغار لصيانة بناء المسجد الطيني من آثار الأمطار الموسمية ، والشقوق التي يحدثها تغير درجات الحرارة ، والرطوبة .
فما أجمل هذه الروح التعاونية الصادقة التي أورثها السلف للخلف في هذه المدينة للحفاظ على موروثها الثقافي ، والروحي ، والمعماري .

(13) تعليقات

من مخطوطــات مركز الشيخ سيد المختار الكبير الكنتي للمخطوطات والوثائق ، بقاوه شمال مالي

(7) تعليقات

مهرجان أحتفالي في الشمال

مهرجان أحتفالي في الشمال
حمّلها sayedbenalfardy يوم الاحد, 01 شعبان 29, 5:58 م (توقيت القدس)
هذه الصورة تمثل أحد المهرجانات الشعبية البهيجة التي تحييها قبائل الطوارق سنويا في شهر يناير من كل عام ، في المناطق الشمالية الشرقية من جمهورية مـــالي ، ويحضرها في العادة لفيف من أهل المناطق القريبة من مكان الإحتفال ، كما تدعى لها شخصيات رسمية ممثلة للحكومة المركزية ، وأعضاء البعثات الدبلوماسية في الدولة ، وممثلي المنظمات الخيرية ، وممثلي منظمات المجتمع المدني المهتمين بالجوانب الثقافية ، والتراثية لأهل الشمال ، كما تحضره فرق موسيقية شعبية محلية ، ودولية .

(2) تعليقات

من آثار العرب والحضارة العربية الإسلامية في منطقة حوض نهر النيجر (( مــالي )) :

كل الفاتحين عبر التاريخ كانت لهم آثارهم وبصماتهم التي تظل زمنا - يطول أو يقصر - ماثلة أمام الأعين في البلاد التي تفتح بحسب قوة تأثير أولئك الفاتحين في مختلف مناحي حياة الناس في المناطق المفتوحة ، ويلاحظ أنه كلما ارتبط الأمر بالعقيدة أو الدين كان التأثير أكثر تجذرا ، وأعمق أثرا ، وأطول بقاءً .
ومن حسن حظ العرب أن المولى - تبارك وتعالى - أختار لغتهم العربية لتكون وسيلة ووعاء لوحيه الخاتم وكتابه المحفوظ - القرآن الكريم - وأختارهم هم واصطفاهم  وأعدهم أفرادا وجماعات لحمل خاتمة رسالاته إلى العالم أجمع .
 وبعد أن كانت الرسالات السماوية السابقة تتوجه لأقوام وشعوب بصورة خاصة ؛ فتكون الرسالة لأناس مخصوصين في مكان مخصوص وزمن مخصوص إلاَّ أن رسالة الإسلام العظيم جاءت لتكون موجهة للناس كافة ، وصالحة في كل مكان ، وممتدة عبر الأزمان إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ، ولتكون المنقذ والمخلص للبشرية جمعاء وتخرج الناس من ظلمات الجهالة والتخلف وحيف الأديان وجورهم إلى نور العلم والإيمان والرحمة والتسامح والمحبة والإيثار والعدل والمساواة ، تلك القيم والأخلاق المفعمة بالنبل والسمو التي ما تجسدت في دعوة قط أرضية أو سماوية مثلما تجسدت في دعوة الإسلام الحنيف .
 
وقد تلقف الحيارى والمهمشون والمستضعفون في الأرض هذه الدعوة منذ الوهلة الأولى وكأنها هدية السماء إليهم ، واعتنقوها بقناعة وإيمان عميقين ، واحتضنوها بمودة ورفق ومحبة وحملوا هديها النير إلى جهات الكون الأربع ، يبذلون المهج والأنفس الغالية في سبيل نشرها والدعوة لمبادئها الراقية ، حتى كادت تعم دعوة الإسلام أرجاء العالم القديم في زمن قياسي وجيز ، حيث نودي بكلمة الحق : " لا إله إلا الله محمد رسول الله " من سهول بلاد الصين شرقا إلى ضفاف نهر اللوار في بلاد الغاليين ( فرنسا ) غربا في أقل من قرن من تاريخ هجرة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم .
 
ولعل من مفارقات التاريخ الملفتة والعجيبة أن دعوة الإسلام وصلت إلى القارة الإفريقية السمراء في وقت مبكر جدا حتى قبل أن تصل إلى يثرب - المدينة المنورة - أهم حاضرة تقع بالقرب من شريان الحياة التجاري الرابط بين حاضرة قريش مكة المكرمة وبلاد الشام ، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على قدم العلاقة ودوام الإتصال والتواصل بين عرب شبه الجزيرة العربية والقارة الإفريقية ، بل وأهمية هذه القارة في المنظور القريب والبعيد بالنسبة لدعوة الإسلام  .
 
فماذا إذن عن قدم هذا الإتصال بين القارة الإفريقية وشبه الجزيرة العربية ؟
 
تؤكد مصادر تاريخ العرب القديم أن الهجرات العربية الأولى إلى افريقيا بدأت منذ الألف الرابع قبل الميلاد عبر منفذين اثنين : فالهجرات المنطلقة من جنوب شبه الجزيرة العربية ( بلاد اليمن السعيد ) اجتازت أخدود بحر  القلزم ( البحر الأحمر ) من مضيق باب المندب - حيث يضيق المجرى المائي وتتقارب العدوتان لإفريقيا وآسيا - إلى المنطقة التي تقع فيها الآن المناطق المعروفة بالقرن الإفريقي ، وبلاد الحبشة ، ودولة السودان وما جاورها ، ثم اتجهت إلى وسط القارة وشرقها بعد أن اتخذت من المراكز القائمة على السواحل محطات أولية قبل الإنسياب والإنتشار في الداخل .
 
وأما الهجرات الأخرى التي انطلقت من شمال شبه الجزيرة العربية فكانت لها شبه جزيرة سيناء معبرا وجسرا طبيعيا انسابت من خلاله إلى أرض الكنانة ومنطقة الشمال الإفريقي والصحراء الكبرى إلى سواحل بحر الظلمات ( المحيط الأطلسي ) .
 
وقد أصبح هذا المعبر - الأخير - سبيلا سالكا فيما بعد عبرت منه أغلب الغزوات والفتوحات إلى مناطق حوض المتوسط خاصة من الناحية الغربية الجنوبية ، كما عبرته الهجرات العربية الصنهاجية القديمة إلى أعماق الصحراء الكبرى  قبل ظهور الإسلام بقرون عديدة أي منذ أنهيار سد مأرب وتفرق العرب أيدي سبأ - كما يقولون -  وفي مراحل تاريخية لاحقة عبره الإسلام الفاتح إلى شمال القارة أولا ثم إلى غربها وجنوبها .
 
ويذكر أن دخول الجمل مع أولئك الأقوام - والذي تؤكد مصادر التاريخ القديم أنه حيوان آسيوي - في مجال النقل في الصحراء الإفريقية الكبرى أحدث نقلة نوعية وثورة إيجابية في حركة الإتصال والمواصلات في المنطقة برمتها بحيث شكل استخدامه وسيلة للنقل في الألف الأول قبل الميلاد قفزة حقيقية لقهر صعوبات اجتياز فيافي الصحراء ودروبها الخطرة وأمن استمرار التواصل بين مراكزها التجارية المتباعدة فكان بحق الوسيلة المتميزة التي قربت المسافات وساعدت في اتصال وتواصل الشعوب والأقوام القاطنين على ضفتيْ الصحراء الكبرى ، وسهلت في نفس الآن انتقال السلع والبضائع والأفكار بين الجهتين .
 
فما هي إذن منافذ تسرب مؤثرات الحضارة العربية الإسلامية إلى ثنية النهر وبلاد السودان ؟
 
لاشك أن بلاد المغرب لعبت دورا أساسيا في نقل مؤثرات حوض المتوسط ابتداءً وكذلك مؤثرات الحضارة العربية الإسلامية لاحقا إلى المناطق الواقعة جنوب الصحراء الكبرى وحوض نهر النيجر .
وكان لتجارة القوافل الفضل الكبير في عبور هذه المؤثرات إلى هذه البلاد بسلاسة ويسر ، تلك القوافل التي كانت السباقة في عبور وتعبيد دروب ومسالك الصحراء الكبرى منذ عصور تاريخية موغلة في القدم جيئة وذهابا ، في حركة تبادلية جميلة ومطردة بين الشمال والجنوب لسلعتين رئيسيتين كانتا المحور والعصب الأساس لهذه التجارة منذ فجر التاريخ وأعني بالسلعتين تحديدا ملـــح الشمال وذهـــب الجنوب .
 
وفي هذا السياق أسوق إشارة بسيطة للباحث المغربي / محمد زنيبر في بحث له بعنوان : " تجارة القوافل في المغرب " وهي برغم بساطتها وعدم توغلها في التحليل والتنظير إلاَّ أنها ذات مدلول عميق على أهمية عملية التبادل بين ضفتيْ الصحراء الكبرى بعد الفتح العربي الإسلامي للمنطقة يقول الباحث : " ... من أهم النتائج الإيجابية لدخول الإسلام إلى بلاد افريقيا والمغرب  ما حدث من توسيع لشبكة الاتصالات الإنسانية والاقتصادية داخل القارة السمراء ، فأتيحت بفضل ذلك لبقية العالم شرقا وغربا فرصة الإستفادة منها وتنمية ثروته ، وموارده .. " .
 
وهذا يقودنا إلى الحديث عن الطرق والسبل التي انسابت عبرها هذه المؤثرات الحضارية - تجارة وعقيدة ومنهجا وسلوكا - إلى جنوب الصحراء ، وهي في الحقيقة برغم كثرتها إلاَّ أنه يمكن إجمالها في ثلاث طرق رئيسية :
 
1 - الطريق الممتد من بلاد السوس ( جنوب المملكة المغربية ) إلى ثنية أو عقفة نهر النيجر ، حيث تقع المدن التاريخية الثلاث ذات الشهرة والصيت الواسعين في تاريخ الفكر والثقافة والحضارة العربية الإسلامية أعني مدن : تِمْبُكْتُو .. وجِنَّيْ .. وقَاوَه ( شمال جمهورية مـــالي ) .
 
2 - والطريق الممتد من القيروان في ( الجنوب التونسي ) مرورا بمدينة غــدامس في ( ليبيا ) إلى المنطقة الواقعة بين نهر النيجر وبحيــرة تشــاد ، وفي هذه المنطقة تقع مــدن تاريخية مهمة هي مدن : تَقَدَّه .. وبَلْمَه .. وأَقَدَزْ في  ( جمهـورية النيجر ) .
 
3 - والطريق من طرابلس الغرب ( ليبيا ) إلى المنطقة المحيطة ببحيرة تشــاد ، ثم إلى مراكز تجارية مهمة واقعة الآن في ( دولة نيجيريا الفيدرالية ) .
كانت تلك إذن هي الطرق الكبرى الثلاث التي ظلت عامرة بقوافل المسافرين والتجار طوال فصول العام وتتفرع منها العديد من السبل الفرعية الموسمية وقصدنا عدم التطرق لها خشية الإطالة والإطناب .
 
ويلاحظ أن من أهم وأبرز ما ميز الحركة التجارية في العهد الإسلامي أن قوافل التجارة هذه لم تجلب معها السلع والبضائع المصنعة أو المستخرجة في الشمال فحسب بل حملت وجلبت معها مجموعة من المؤثرات والأفكار .. والعقائد .. والمفاهيم الحضارية  السائدة في المواطن التي قدمت منها ، من قيم وتقاليد وأعراف ، وتطور تقني وصناعي وتراكم معرفي وحضاري كانت تزخر به بلاد الشرق ، الأمر الذي دفع بشكل ملحوظ إلى تطور الحياة الإقتصادية والثقافية والسياسية والإجتماعية في منطقة ثنية النهــر بل وفي الغرب الإفريقي عموما بفعل هذا التلاقح والاتصال بالحضارة العربيةالإسلامية القادمة من شمال القارة .
 
وما هو دور الكيانات السياسية التي قامت في الشمال في استمرار تدفق
هذه المؤثرات جنوبا ؟ 
 
1 - الأدارسة :
 
  أغلب المصادر تشير إلى أن الإسلام دخل المنطقة منذ القرن الهجري الأول في عهد الدولة الأموية فجيوش عقبة بن نافع الفهري حسب بعض المصادر وصلت إلى أطراف بلاد السودان ، وهناك روايات متواترة ذات مصداقية موثقة عن بعثات دعوية أرسلت إلى المنطقة فيما بعد ، ربما في عهد الخليفة الأموي / عمر بن عبد العزيز ، ويذكر أكثر من مصدر محلي شفوي متواتر وعربي تاريخي موثق - ابن عبد الحكم والبكري - يذكرون بقايا لبعثتين أمويتين في امبراطورية غانا وأطراف بلاد السودان منذ القرن الهجري الأول .
 
وقد تكثف هذا الحضور ونمى بصورة أكبر في القرون التالية ، وتدفق الدعاة والعلماء برفقة القوافل التجارية بشكل ملفت بعد أن وضعت الحرب أوزارها واستقرت جيوش الفتح العربي الإسلامي في الشمال الإفريقي وبسطوا سيطرتهم الكاملة على المناطق المتاخمة للصحراء الكبرى وبلاد السودان ، فتحرك عرب الفتح منتهزين فرصة حالة السلم والإستقرار ليمارسوا نشاطهم الإقتصادي المفضل : التجارة ، وعبروا الصحراء جنوبا وغربا والتحقوا بالمراكز التجارية الغنية الجاذبة في بلاد السودان فأغنوا تلك الحواضر والأسواق بتجاربهم الثرية السابقة في هذا المجال الذي أتقنوه في شبه جزيرتهم العربية منذ الأزل في رحلتيْ : الشتاء إلى الجنوب حيث بلاد اليمن ، والصيف إلى الشمال حيث بلاد الشام .
 
وتذكر المصادر أن أكثر تلك الطرق - المذكورة آنفا - تأثيرا وحيوية في منطقة ثنيــة النهر - تحديدا - هو الطريق الأول ، وخاصة  بعد قيام دولة الأشراف الأدارسة ( 172 - 314 هـ / 789 - 926 م )  التي سعت طوال فترة حكمها  بالطرق السلمية - التجارة والدعوة - إلى نشر الإسلام وبسط سلطانها في المناطق الصحراوية السودانية الواقعة على تخومها الجنوبية .
 
وقد زاد من تأثير الأدارسة الثقافي والإجتماعي في المنطقة في مراحل لاحقة وصول أُسر إدريسية إلى  المراكز القائمة في هذه المناطق وكان ذلك قبل وصول الكثير من القبائل العربية الموجودة في المنطقة حاليا .
ويبدو أن هذا الوجود الإدريسي  البشري حصل بعد انفراط عقد الدولة الإدريسية التي تأسست في الشمال ، وتفرق البيوت المنتمية لها في بقية  بلاد المغرب والصحراء والأندلس إثر تعرضهم للمحن والمتابعات السياسية في المناطق التي حكموها في الشمال .
 
وقد تحدثت المصادر التاريخية للمنطقة - وكذلك مصادر أجنبية معاصرة - عن اختلاط أولئك الوافدين الجدد بالقبائل المحلية التي احتضنتهم بكل أريحية وترحاب  فأندمجوا وانصهروا فيها تزاوجا ومصاهرة .
 
حدث ذلك مع القبائل الطارقية الصنهاجية القاطنة في مضارب البوادي والصحراء ، كما حدث مع سكان القرى والمراكز التجارية الكبرى التي كانت قبلة لكل القادمين من الشمال ، وتجلت أجمل صور ذلك التلاحم والإندماج في كل من مدينة السوق في منطقة آضغاغ ( منطقة كيدال حاليا ) وتمبكتو .. وقاوه .. وجني ، بل وفي كل قرى ومداشر ثنيــة النهر .
 
وعلى سبيل المثال لا الحصر نستطيع أن نذكر من البيوت ذات الأصول الإدريسية التي اختلطت بقبيلة طارقية كان لها وجودها المؤثر في المنطقة كـ ( قبيلة تاغت ملت .. وقبيلة إمقشرن .. وقبيلة إدنان .. وقبيلة إيقلاد )  فقد تزوج الشيخ / محمد المختار آيته عند قدومه إلى المنطقة في بدايات القرن الثاني عشر الميلادي ، من قبيلة تاغت ملت فكان نسله وحفدته بين ظهرانيهم حتى اليوم ،  ومحمد المختار آيته هو الجد الأكبر لأهم بيت إدريسي في منطقة آضغاغ المعروف محليا بقبيلة إفوغــاس  ، وكذلك العشائر الإدريسية والأنصارية في تجمع أهل السوق ( كل السوك ) ، والأُسر الإدريسية من أهل أروان ، والأسر الإدريسية من أَشَرِيفَنْ والأنصار في اتحادية الأنصار ( كلنتصر ) الذين كانت خؤولتهم من إمقشرن وإدنان وإيقلاد ، وبيت أَشَرِيفَنْ أهل محمد آحماد في منطقة (( جَبَقْ )) الذين جاء جدهم إلى منطقة (( قاوه )) مغاضبا - حسب مؤرخ الحملة السعدية الفشتالي - في عهد السلطان السعدي أحمد المنصور الذهبي ، واستقبل  استقبالا حارا من طرف سلطان الصنغاي وأهداه أرضا زراعية وضياعا واسعة بما فيها من الشجر والمدر والبشر ، وأعفاه من كل المكوس والضرائب التي كانت توضع على الأراضي الزراعية ومنتجاتها .
 
 ومن تلك الأسر كذلك بيت الإمارة في قبيلة شَمَنْ آمََّاسْ أعني بيت أهل(  كِيُو ) الذين ترجعهم الروايات المحلية إلى عرب الزراهنة القادمين من عرين البيت الإدريسي الأول ؛ من منطقة فاس ومكناس ، وكذلك قبيلة إِرَقَنَاتَنْ التي تقطن في منطقة آضغاغ والتي يذكر أن جدها الأكبر جاء في معية الشيخ / محمد المختار آيته الآنف الذكر ، وهذه المفردة - إرقناتن - في لغة القوم تعني المهجن أو المتكون من عنصرين مختلفين وهو ما يتوافق مع الروايات المحلية حول أصل هؤلاء القوم ...الخ .
 
هذا ولو أردنا تتبع البيوت والأُسر ذات الأصول الإدريسية أو غيرها من قبائل الجزيرة التي وفدت على المنطقة بعد ظهور الإسلام فلن نجد قبيلة طارقية واحدة خالصة ليست فيها دماء وافدة من تلك الهجرات أو من أولئك الوافدين الجدد  ، والأمر نفسه يصدق تقريبا على قبائل الصنغاي القاطنة في القرى والمداشر الواقعة حول ضفاف النهر ابتداءً  بـ ( آل ضياء  وذا اليمن أو جا اليمن ) الذين تأسست على سواعدهم أول الكيانات المستقرة المنظمة المعروفة تاريخيا حول ضفاف النهر ، ومنطقة دندي ، ولعل أحدث تلك الإندماجات القبلية - إن صح التعبير - اندماج وانصهار قبائل الرماة العربية المعقلية ، والذين مازالوا يعرفون حتى الآن عند قبائل الصنغاي بـ ( لَرْبُو ) أي العرب ، وينتشرون جغرافيا الآن في كل القرى الممتدة على ضفاف النهر وفي جزره المأهولة من تمبكتو غربا إلى منطقة قاوه شرقا ، ومعلوم تاريخيا أن الرماة هم من بقايا فرقة الرماة في الجيش المغربي السعدي الذي غزى إمبراطورية الصنغاي في أواخر القرن الخامس عشر الميلادي ، وتؤكد مصادر تاريخ تلك الفترة أن هذه الفرقة من الجيش السلطاني كانت مكونة في غالبها الأعم من عرب المعاقلة الخلص ، ومعلوم كذلك أن من هؤلاء المعاقلة تنحدر كافة قبائل بني حسان وعريب والبرابيش ... الخ .
 
2 - الرستميون :
 
ومن الجهود التي عمقت العلائق بين ضفتيْ الصحراء و يسرت التواصل الحضاري والثقافي والإقتصادي بين الشمال والجنوب تلك المحاولات الجادة التي قام بها الرستميون بعد قيام دولتهم في منطقة : تاهرت في  ( الجزائر ) للاتصال ببلاد السودان بغية تنمية عملية التبادل التجاري بين دولتهم الفتية والأسواق التجارية الواقعة على حواف الصحراء وبلاد السودان ، وقد وصل عمق التواصل بين الرستمين مع المنطقة إلى درجة تنسيق وتنظيم حركة القوافل التجارية بينهما ، وتبادل الوفود والهدايا والرسائل السياسية  فيما بين حكام المنطقتين .
 
وقد نتج عن مجمل تلك العملية تحسن ملحوظ في العلاقات بين الطرفين وازدياد ارتباط المنطقة في عمومها بالكيانات القائمة في الشمال ، وتضاعفت أعداد تجار الشمال الذين وفدوا زرافات ووحدانا على المراكز
التجارية المزدهرة في الجنوب
 
3 - المرابطون :
 
ثم لابد من الإشارة والتنويه بما حدث من تطور ملفت زاد من حضور الإسلام في المنطقة ؛ حضارة وثقافة وبشرا ونظم حكم يقتدى بها بعد قيام دولة المرابطين : ( 448 - 547 هـ الموافق 1056 - 1147 م ) والتي كان لقبائل إِيقْدَالَنْ .. ودَبَاكَرْ .. ودُسْهَاكْ وغيرهم من قبائل الملثمين الأخرى الفضل الكبير في قيامها وتوسعها في المنطقة ، وقد سعت هذه الدولة بعد أن أشتد عودها سعت من أجل توحيد الصحراء وبلاد السودان مع المغرب وبلاد الأندلس ، فكان من نتاجات تلك المساعي زيادة الاتصال وتعميق التواصل بين ضفتيْ الصحراء وبالتالي ذيوع وانتشار النوذج الإسلامي في الحكم والإدارة الذي بشر به المرابطون في المناطق الجنوبية .
 
وهنا يجدر التنويه بأهمية الثورة العظيمة التي أحدثتها دولة المرابطين بمحاربتها للبدع والمفاهيم الخاطئة التي كانت سائدة عن الإسلام عند قبائل الصحراء الكبرى وكذلك عند بعض معتنقي الإسلام الجدد في الجنوب ، ومحاربتها لكل مظاهر التعصب للقبيلة أو الجهة أو العرق ، وتقديمها لمفهوم إسلامي للحكم جديد ومتميز لم تعهده المنطقة من قبل يسمو ويرتفع فوق الدوائر المغلقة التي كانت تتحكم في علاقات القوم الإجتماعية والسياسية والعرفية ، الأمر الذي هز النظم القبلية في الصحراء وزلزل عروش النظم الوثنية في الجنوب ، فكان من محصلة ذلك كله سقوط الإمارات والمشيخات القبيلة في الصحراء القائمة على العصبية القبلية أو القوة والمنعة العشائرية ، وكذلك سقوط عروش الإمبراطوريات الوثنية في الجنوب وإقامة كيانات سياسية أخرى محلها اعتنق حكامها الإسلام بل وقاموا بجهود متميزة في نشره بين مواطنيهم والتحلي بقيمه ومفاهيمه الحضارية والثقافية السامية فارتقوا بذلك إلى مصاف الدول والإمبراطوريات الكبرى في عصرهم وصار لهم حضور ملحوظ  على المستوين الإقليمي والدولي .
 
4 - المرينيون :
 
ويتحدث ابن خلدون في تاريخه - العبر .. - عن مساعي الدولة المرينية ( 592 - 869 هـ الموافق 1196 - 1465 م )  في تحسين وتعميق العلاقات  التجارية والسياسية مع منطقة الصحراء وبلاد السودان من خلال تشجيع التبادل التجاري ، وتبادل الوفود الرسمية والهدايا القيمة بين الطرفين ، وخاصة مع إمبراطورية مالي الإسلامية - 13/14 م - التي قامت على أنقاض إمبراطورية غانا الوثنية التي سقطت بفضل جهود دولة المرابطين .
 وكان حسن الوزان صاحب كتاب : ( وصف إفريقيا ) ممن وفد مع عمه الذي كان يترأس إحدى تلك السفارات المرينية إلى إمبراطورية مالي الإسلامية .
 وتذكر المصادر تلك الهدية القيمة التي أرسلها أحد ملوك مالي لأحد سلاطين المغرب المرينيين وتمثلت في زرافة وفيل صغير وبعض المقتنيات الذهبية الثمينة ، فكانت تلك الزرافة هي أول زرافة تصل إلى بلاد المغرب فشدت اهتمام الشارع المغربي ، وكان يوم دخولها القصر يوما مشهودا وتجمع الناس في الشوارع لرؤيتها باعتبارها حيوانا غريبا لم يرى له مثيلا من قبل في القطر المغربي .
 
5 - السعديون :
 
ثم أخيرا الغزوة الكبرى التي أرسلها السعديون ( 917 - 1069 هـ الموافق 1511 - 1659 م ) لتوحيد الإسلام الإفريقي شمال وجنوب الصحراء وللوقوف في وجه الهجمات النصرانية الأوروبية القادمة من الشمال بعد سقوط الأندلس ، والتصدي للتحرشات الوثنية المهددة من الجنوب ، هذا ما سيق في حينه لتبرير تجريد الحملة العسكرية على دولة الصنغاي .
 
وقبيل الغزوة السعدية بقليل وفد على منطقة ثنية النهر وخاصة إقليم تمبكتو بعض القبائل العربية التي ساهمت في تنمية المنطقة وأزدهار الحركة الإقتصادية والثقافية فيها ، وشاركت بصورة أساسية في تشكيل هوية المنطقة الثقافية والدينية والإجتماعية .
 
ومن تلك القبائل على سبيل المثال لا الحصر قبيلة الأنصار ( كلنتصر ) الذين تشير مصادرهم التاريخية أنهم وفدوا بداية أفرادا قادمين من المغرب التي كانوا قد استقروا فيها بعد نزوحهم من بلاد الأندلس بعد سقوط آخر المعاقل الإسلامية هناك ( 1492 م ) وترجع المصادر أصولهم إلى تلك الأرومة الأنصارية الطيبة التي كانت تحكم غرناطة وإشبيلية من بني الأحمر .
 
ثم إن هؤلاء الأنصار شكلوا فيما بعد اتحادية من أكبر وأهم الاتحاديات القبلية العربية في المنطقة ضمت إلى جانبهم بعض الأشراف الأدارسة وبعض خؤولتهم من طوارق إمقشرن وإدنان وإيقلاد وكلغزاف .. وغيرهم ... الخ .
 
والذي لا شك فيه أن هذه القبيلة أو الإتحادية ساهمت بنصيب لا بأس به في ازدهار الحركة التجارية في المنطقة ولكن دورها الأكبر والأهم كان في مساهمتها العظيمة في ترسيخ جذور الإسلام والثقافة العربية الإسلامية في منطقة تمبكتو وماجاورها ، وقد انجبت الكثير من العلماء والفقهاء والمجاهدين والأدباء والشعراء الذين ساهموا مساهمة طيبة تستحق الإشادة والتنويه في النهوض بالحركة الثقافية والأدبية والدعوية في البلاد ، وفي الدفاع عن الوطن الجديد ومقاومة الغزاة النصارى المعتدين حين غزوه وأرادوا احتلاله .
 
كما وفد قبيل الغزوة السعدية على منطقة صحراء أزواد وثنية النهر قبائل عرب البرابيش التي تنتمي إلى قبائل بني حسان العربية المعقلية ، والتي دخلت بلاد المغرب في بداية أمرها مع الهجرة الهلالية الكبرى منذ القرن الخامس الهجري .
 
وكان استقرار عرب البرابيش باديء ذي بدء في قرية أروان بجوار الشيخ الجليل / سيدي أحمد أق آده ، ثم بدؤا تدريجيا يتجهون جنوبا صوب ضفاف النهر حيث المراتع الخصبة والمياه العذبة فكانت مضاربهم تمتد من أروان إلى ضفاف النهر حيث تمبكتو وقُنْدَاَمْ ، وبحيرة فَاقُوبين .
 
وشكلوا هم أيضا اتحادية قبلية مهمة ضمت العديد من القبائل العربية ، منها افخاذ وعشائر يجمعها الأب الواحد : كأولاد سليمان ( بيت الإمارة والمشيخة ) وأولاد شبل .. وأولاد إدريس .. وأولاد يعيش .. وأولاد بوخصيب .. وأولاد غيلان .. وأولاد عمران .. وأولاد غنام .. وأولاد بوهنده .. الخ ، كما ضمت اتحادية البرابيش إلى جانب هؤلاء بيوتا وعشائر أخرى من أصول شتى : كالأشراف ، والنواجي ، والسكاكنة ، وترمز ، ولقوانين والوسرة ... وغيرهم .. الخ .
 
وكان لهذه الإتحادية القبلية هي أيضا مساهمتها الملحوظة في نمو وازدها الحركة التجارية والثقافية بين ضفتيْ الصحراء الكبرى لعدة قرون متتالية ، فقد عرف عن عرب البرابيش حبهم وولعهم الشديد بالتجارة وارتباطهم بحركة القوافل ، وتميزوا بنشاط وحماس ملحوظين في هذا المجال ، كما كانوا مقاتلين أشداء وخبراء مهرة في دروب الصحراء ومداخلها ومخارجها ، وقد ساهموا بشكل فعال في حماية القوافل التجارية التي تمر بالمناطق التي ينتجعون فيها الأمر الذي بوأهم مكانة مرموقة عند حكــام البلاد سواء في عهد الأسكيات أو في العهد السعدي .
 
وتذكر بعض المصادر التاريخية أن أباطرة الصنغاي قربوا بيت المشيخة (  أولاد سليمان ) بل وارتبطوا معهم بمصاهرات وأشركوهم في إدارة بعض شؤون البلاد ؛ كقيادة بعض فرق الجيش الإمبراطوري وأُسند إلى بعض قادتهم إدارة بعض الأقاليم ، كما شُكلت من عرب البرابيش وبعض قبائل الطوارق القوة الضاربة سريعة الحركة المحمولة على الجمال في عهــد الأسكيات ، وقد أُرسلت هذه القوة أكثر من مرة لإزعاج مجموعات تابعة للمخزن المغربي في منطقة مناجم ملح ( تغازى )  المتنازع عليها  والإغارة على بعض ممتلكات السلطان المغربي الواقعة في التخوم المشتركة بين البلدين .
 
وقد تمكن عرب البرابيش من نسج علاقة جيدة ومتميزة مع الحكام المغاربة بعد سيطرتهم على البلاد ، ويذكر أنه وصل أحد رجالاتهم إلى قيادة كتيبة مـراكش في حامية تمبكتو العسكرية المغربية .
 
وعلى العموم ساهمت قبائل عرب البرابيش بصورة فعالة وإيجابية في إعطاء منطقة تمبكتو وما جاورها طابعها التجاري والثقافي والإجتماعي المميز الذي عرفت به منذ ذلك التاريخ حتى يومنا هذا ، كما كان لهذه الإتحادية  نصيبا مشرفا في الدفاع عن البلاد ومقاومة كل الغزاة والمعتدين الذين غزوا المنطقة وأرادوا السيطرة عليها .
 
وفي هذا السياق نذكر الإتحادية العربية الثالثة التي وصل بعض فروعها إلى منطقة ثنية النهر قريبا من هذا التاريخ ، وأعني أتحادية أو قبيلة كنته ذات الأصول الفهرية القرشية ، وهم ينتمون إلى عرب الفتح أو ما كان يعرف في منطقة المغرب العربي بـ ( العرب البلديين ) تمييزا لهم عن  غيرهم ممن وفدوا على المنطقة بعد فتوحات القرن الهجري الأول .
 
ومعلوم أن أغلب جنود حركة الفتوحات الأولى لم يصطحبوا معهم زوجات فلما استقر بهم المقام في المناطق المفتوحة تزوجوا من نساء محليات وتداخلوا مع أهل البلاد الأصليين حتى ذاب وتلاشى الكثير منهم مع هؤلاء ، الأمر الذي ساعدهم في الدعوة لدينهم ونشر رسالتهم التي جاؤا من أجلها بين كل فئات وشرائح هذه المجتمعات بسلاسة ويسر .
 
وهنا يحضرني استشهاد للباحث الإنجليزي " بوفيل " في كتابه : ( تجارة الذهب وسكان المغرب الكبير ) في معرض حديثه عن الفتح العربي الإسلامي للمنطقة وتغلغل العرب في البلاد المفتوحة ، يقول : " ... واحتل العرب من ناحية الجنوب فزان وبلغوا واحة كعوار ... وكانوا على وشك أن يكتشفوا أراضي السودان العشبية واستقر بعضهم في واحات الصحراء في الجنوب الغربي من الصحراء ويبدو أن عرب الكنته منهم ... " أ . هـ .
 
وقد تشكلت هذه الإتحادية في موطنها الجديد حول فروع أربع من بطونها الممتدة في الجوار ( الشمال الإفريقي كله ) وهم : الهمـال والرقاقده وأولاد سيد المختار ، وأولاد الوافــي ،  ثم التحق بهم فيما بعد العديد من القبائل العربية التي تنتمي إلى هجرات ما قبل الإسلام وما بعد الإسلام .
 
ونذكر من تلك المجموعات المنضمة - على سبيل المثال لا الحصر - إلى اتحادية كنته :  بيت من أشراف زاوية مولاي الرقاني بمنطقة توات ( جنوب الجزائر ) وبيت من أشراف تافيلالت ( جنوب المغرب ) وبعض أدارسة جبل سيدي زرهون .. وجزء من قبيلة أولاد ملوك العربية .. وبيوت من قبيلة أولاد زنان ... وجزء من عرب الطرشان .. وبيوت من زاوية الكرزازي في منطقة توات .. وبيوت من أولاد السيد ... وبيوت من أولاد المولات من عرب أولاد دليم من منطقة الساقية الحمراء .. وجزء من بطون قبيلة مشظوف ( شرق موريتانيا ) .. وقبيلة لمهار .. ولادم .. وأبدوكل .. ودورغ .. وأهل سيدي لمين الفلاني .. وحمه صالح .. وفلان لعرب .. وتدبوكة .. وغيرهم .. كثير ربما لا يسمح المقام بحصرهم جميعا في هذا الحيز المقتضب .. الخ .
 
وفي معرض التعريف بهذه الإتحادية ، وذكر مساهمة هذه المجموعات في مجمل حركة الحياة السياسية ، والثقافية ، والإقتصادية ، والدينية في هذه المنطقة دعونا نستشهد بآراء بعض الباحثين والمهتمين بشؤون هذا الإقليم .
 
وفي هذا الصدد يقول الباحث المصري د/ عبد الله عبد الرازق إبراهيم :
" .. كنته إحدى القبائل العربية التي كان لها نفوذ كبير ولا يزال في جنوب الصحراء الكبرى والساحل ، وقد هاجرت هذه الجماعات من منطقة توات في جنوب الجزائر في القرن الخامس عشر الميلادي ووصلوا إلى حدود تمبكتو ... " ويضيف في التفاصيل ويقول : " .. ثم تطورت من نواة عربية إلى قبيلة مغربية دينية كانت الأساس في نشر الطريقة القادرية في غرب إفريقيا ... ولأنها كسبت شهرة دينية جعلت الكثيرين ينتمون إليها ، وصارت الوسيط بين القوى المتصارعة في منطقة تمبكتو من طوارق وفلان وصنغاي  .. وغيرهم .. " أ . هـ .
 
وتضيف باحثة أمريكية من ( جامعة ميريلاند ) هي : ماري بير نبام ، إلى ما تقدم فتقول :
" .. لم يحظ الحضر من عرب الكنته بالقوة السياسية فحسب بل كانت لهم مكانة دينية رفيعة بتزعمهم للطريقة القادرية ذات النفوذ الديني القوي.. " ثم تضيف أيضا : " ... وذلك بخلاف الخبرة التجارية التي يتمتع بها أفراد المجموعة الكنتية ... " أ . هـ .
 
وعن دورهم الإيجابي في ربط ضفتيْ الصحراء ثقافيا .. ودينيا .. واقتصاديا يقول العلامة المغربي المرحوم : محمد المنوني - طيب الله ثراه - في كتاب : ( العلاقات بين المغرب وإفريقيا الغربية ) :
" .. كانوا أبرز قناة حضارية ساهمت في نمو واستمرار العلاقات الثقافية والروحية بل والإقتصادية بين بلاد المغرب وإفريقيا جنوبي الصحراء طيلة خمسة قرون الماضية ... " أ . هـ .
 
قصدنا من تلك الإستشهادات بنصوص باحثين ومهتمين بشأن المنطقة إلقاء إضاءات سريعة وخاطفة على الدور الحضاري والثقافي والإقتصادي الذي ساهمت به هذه الإتحاديات والمجموعات القبلية - المذكورة آنفا - وذكر ما تركته من آثار حميدة تستحق الثناء والإشادة .
 
وقد أجمع المنصفون من المهتمين بتاريخ المنطقة على أنه برغم قدم الصلات البشرية والعلاقات التجارية تاريخيا بين ضفتيْ الصحراء الكبرى إلاَّ أن التطور والإزدهار الذي شهدته عملية التبادل بين الضفتين وتدفق  حركة البشر والأفكار جنوبا في العهد الإسلامي لم يسبق بمثله من قبل ، وربما يرجع ذلك في أساسه إلى طبيعة الرسالة الجديدة التي يحملها هؤلاء الوافدون الجدد .
 
 وفي هذا السياق استشهد بالنص التالي للباحث المغربي / محمد زنيبر عن بعض خصائص رسالة الإسلام ، وطبيعة ذلك الرعيل الأول الذي تحمل عبء توصيلها إلى مشارق الأرض ومغاربها ، يقول الباحث : " ... أخذت الدعوة الإسلامية منذ أول يوم طابعا عالميا مما جعل قادة الفتوح يتوغلون في كل الجهات قصد تبليغها ، ولم تستوقفهم وعورة الطرق والمسالك كما استوقفت غيرهم ، لأن العرب وهم جيش الفتح تعودوا على حياة الصحراء ومفاوزها ومتاهاتها فالتجربة العريقة التي اكتسبوها في جزيرتهم جعلتهم يتحركون في فيافي الصحراء الإفريقية بشئ من الثقة بالنفس ... "
 
ويلاحظ أن المسؤولين والولاة العرب الأُول أهتموا منذ استتب لهم الأمر في الشمال الإفريقي أهتموا بتنظيم حركة القوافل على أحسن ما يمكن أن يكون ، فقد عبدوا الطرق وحفروا آبار المياه العذبة على امتداد جنبات الطرق المتجهة جنوبا إلى حواضر السودان جنوبي الصحراء .
 
وتذكر الكثير من المصادر الجهود الرائدة التي بذلها القائد / حبيب بن أبي عبيدة بن عقبة بن نافع الفهري ، وابنه : عبد الرحمن ، ما بين سنتيْ 116 - 127 للهجرة النبوية الشريفة ، في تمهيد هذه الطرق وتأمينها بحفر الآبار على طولها وإقامة المحطات المعولمة على جنباتها ، الأمر الذي قلل من مخاطر الطريق منذ وقت مبكر ، وشجع الكثيرين من ذوي الهمم العالية ممن تستهويهم التجارة والدعوة واكتشاف المجهول ، شجعهم على التوجه بأعداد كبيرة إلى المراكز التجارية المزدهرة الواقعة على حواف الصحراء ومنطقة حوض النيجر ، فظهرت مدن جديدة لم تكن موجودة من قبل وأزدهرت مدن أخرى كانت مغمورة عند نقاط الإلتقاء والتبادل بين قوافل الشمال وقوارب الجنوب .
 
ويبدو أن الهجرات العربية إلى هذه المنطقة في البداية كانت هجرة نخب ؛ من كبار التجار والعلماء والدعاة والصناع المهرة ، فهذه الفئات تكاد لا تخلو منها أي قافلة تتجه جنوبا ، وكان أغلبهم يمكث لفترات تطول أو تقصر - كل حسب ظروفه - ثم يعود من حيث جاء ، وقد سُجل استقرار بعضهم في هذه الحواضر ومصاهرتهم لأهل البلاد المحلين ومكوثهم بين ظهرانيهم .
 
ويتحدث ابن عبد الحكم .. والبكري .. وابن حوقل .. وابن فضل الله العمري .. وياقوت الحموي .. وابن خلدون .. وابن بطوطة .. وحسن الوزان ( ليون الإفريقي ) وغيرهم ممن كتب من العرب عن تلك الفترة يتحدثون عن زخم وكثافة وجود التجار العرب في أسواق إمبراطوريات : غــانا .. ومــالي .. والصنغاي ، وأشاروا - بإعجاب - إلى ما كانت تتمتع به تلك الجالية العربية من حظوة وتقدير عند سلاطين وملوك تلك الإمبراطوريات ، فقد وجدوا بعضهم إلى جانب أولئك المشتغلين بالتجارة والتعليم والدعوة وجدوا بعضهم في قصور الحكام كمستشارين ومترجمين بل ووزراء ورؤساء دوواين في كل المناطق التي تمكنوا من الوصول إليها .
 
وقد تمتعت الجاليات العربية المسلمة عموما بكل التسهيلات الممكنة في طول البلاد وعرضها بسبب انفتاح وتسماح حكام هذه الإمبراطوريات حتى الوثني منها ، الأمر الذي فتح المنطقة على مصراعيها أمام المؤثرات الثقافية العربية الإسلامية ، وأتاح للدعاة والفقهاء القيام بمهامهم على أحسن وجه وأكمله لنشر مباديئ الإسلام الحنيف بين مختلف شرائح المجتمع وطبقاته .
 
ويمكن أن نستشف بعض مظاهر هذا الوجود ومؤثراته  وصور من  تسامح حكام البلاد من هذا الحديث للبكري عن إمبراطورية غانا ... يقول البكري :
" .. ومدينة غانا مدينتان سهليتان ، إحداهما المدينة التي يسكنها التجار العرب .. " ويذكر أن فيها قريبا من اثنيْ عشر مسجدا .. ويضيف : " .. وتعج بالعلماء والتجار العرب ... "
والمدينة الأخرى  " .. مدينة الملك .. " طبعا تضم إلى جانب الملك آله وخدمه وحشمه وحاشيته والورزاء ومجموعة الحرسات وغيرهم ممن لهم علاقة بالقصر الإمبراطوري ، وحتى هذه المدينة أو الحي الخاص - في تعبيرنا الحديث - يوجد بها مسجد تقام فيه الصلاة ، ربما يكون معد بأمر من الإمبراطور ليتمكن زواره من العرب المسلمين ومن يعمل لديه في الديوان من أداء شعائرهم الدينية بدون تضييق أو إحراج .
 
وربما يقودنا هذا إلى الحديث عن بعض المظاهر الحضارية والثقافية التي برزت وترسخت في المنطقة في عهد الإمبراطوريتين الإسلاميتين :
مـــالي والصُّنْغَايْ :
 
ودعوني أقول إن الحديث عن هاتين الإمبراطوريتين في الحقيقة إن أردنا الشمول والتعمق طويل وفيه الكثير من الأمجاد والعبر والدروس العملية التي تجسدت فيها أجمل صور العيش المشترك بين كل مكونات النسيج البشري - شعوبا وقبائل - المكون لسكان المنطقة ، والتي تستحق الذكر والإشادة والتنويه ، وبما أن المقام لا يسمح بالإطالة والإطناب فسأحاول عرض بعض المظاهر في نقاط مختصرة للعلم والتذكير فقط .
 
من المعلوم أن إمبراطورية مــالي قامت وأزدهرت خلال القرنين : الثالث عشر والرابع عشر الملاديين ( 13/14 م ) ومعلوم كذلك أنها قامت بداية على سواعد قبائل الماندينج القاطنة في المنطقة الواقعة بين أعالي نهريْ : ( النيجر والسنيغال ) .
 
وكان البكري يسمي هذه الدولة بـ : (( ملل )) - ربما تكون هذه التسمية هي التي كانت شائعة لها حينذاك عند التجار العرب  - ويذكر أن تأثير الإسلام فيها كان مبكرا حيث يقول :
 " ... وملكهم يعرف بالمسلماني .. " ويسترسل البكري في ذكر قصة إسلام هذا الملك على يد أحد التجار العرب ، وكيف أن أغلب رعيته أعتنقوا هذا الدين الجديد الذي أعتنقه إمبراطورهم ، وهذا مصداق للقول المأثور في لغة العرب : ( الناس على دين ملوكهم ) .
 
والحقيقة أن أعظم ملوك دولة مالي الإسلامية هـــو : منسى موسى أو ( كانكان موسى ) - كما يعرف في بعض المصادر - ( 1321 - 1337 م ) والذي وجدناه في المصادر العربية التي دونت حياته أنه كان أشهر وأعظم ملك إفريقي عرفه العالم في القرون الوسطى ، ورحلته إلى الديار المقدسة كانت الأشهر إفريقياً وقد شغلت حيزا مهما من الإهتمام العالمي في حينها لما ظهر به موكب الملك منسى من بذخ وما بدا على حاشيته ومرافقيه من ترف وأبهة ، وربما كانت هذه الرحلة فرصة لإبراز حجم ثروة مالي الكبيرة من معدن الذهب التبر ، الأمر الذي لفت الإنتباه إليها ووجه الأنظار إلى ما تتمتع به من غنى وأزدهار ، وسلط عليها الأضواء وأعطاها الشهرة والصيت العظيمين في كل أرجاء العالم في ذلك الوقت .
 
وتتحدث المصادر العربية بكثير من الإعجاب عن سجايا هذا الملك ومآثره النبيلة فتصفه تارة بالتقي والورع ، وتذكر حبه الجم وتقديره لأهل العلم والدين ، وأنه أصر في عودته من رحلة الحج أن يصطحب معه جمعا كبيرا من العلماء والفقهاء والتجار والأدباء بل ومن أصحاب الحرف والمهندسين ، وهم الذين استعان بهم في بلده لتشييد النهضة العمرانية والصناعية والإقتصادية التي عرفتها البلاد في عهده .
 
ومن أشهر من رافقه في عودته تلك من العلماء والفقهاء : الفقيه / عبد الرحمن التميمي ، الذي كان أول قدومه على تمبكتو في معية السلطان / منسى موسى ، ومن المهندسين : المهندس المعماري والأديب والشاعر الأندلسي الشهير : ( أبو إسحاق إبراهيم الطويجن الساحلي ) وهوالذي شيد للملك منسى المسجد الجامع في تمبكتو ( جِنْقَرَيْ بيري ) كما بنى له القصر الإمبراطوري الفخم في حاضرة ملكه .
 
فكانت تللك المباني بداية لنمط وطراز من المعمار المتميز عرفت به المنطقة واصطلح على تعريفه - لاحقا - بالمعمار : ( الصحراوي السوداني ) .
 
ولا زالت نماذج من هذا المعمار المميز ماثلة للعيان حتى يوم الناس هذا في كل من مساجد مدينة تمبكتو العتيقة ، ومسجد مدينة جٍنَّيْ الرائع ، ومسجد مدينة قاوه   ومسجد مدينة أَقَدَزْ التاريخي . 
       
والذي لا شك فيه أن تلك الثلة المختارة التي رافقت الملك منسى في رحلة عودته من الحج قد ساهمت بنصيب الأسد فيما عرفت البلاد بعد ذلك من نهضة وتقدم ورقي في مختلف مناحي الحياة ، وقد تمثل بعضه في إنشاء المدن الجديدة ، والنشاط المتنامي في حركة البناء والعمارة ، وما طرأ على الفن المعماري من إضافة جماليات جديدة أو إضافة أشكال هندسية مبتكرة أو إدخال تعديلات جديدة على الأشكال القديمة التي كانت سائدة لدى القوم ، كما استخدمت لأول مرة في المباني المستحدثة زخارف ومنمنمات مأخوذة من الخطوط العربية الجميلة وأدخلت مختلف أشكال الفسيفساء مرسومة على الزليز والمرمر .
 
وقد سجل المؤرخون أن من أهم النتائج التي ترتبت على هذه الرحلة التاريخية ربط علاقات مميزة بين دولة مالي الإسلامية مع كبرى حواضر العالم الإسلامي في بلاد المشرق ، وخاصة القاهرة عاصمة المماليك وبلاد الحجاز الأمر الذي ضمن استمرارية التواصل بين مالي وهذه الحواضر الكبرى التي كانت تمثل - في حينها - قلب العالم الإسلامي إن لم نقل قلب العالم كله ، فازداد تبادل دولة مالي التجاري مع العالم  ، وخاصة مع مصر والحجاز وبلاد المغرب بل ومع أوروبا من خلال بلاد الأندلس ، وتجار صقلية وجنوه والبندقية الذين كانوا يترددون على الموانيئ الجنوبية للمتوسط .
 
وفي هذا السياق نستشهد بنص للكاتب والمؤرخ الإقتصادي الفرنسي : ( بردويل ) عن حجم وأهمية ثروة مالي الذهبية حينذاك ، وحجم تأثيرها في اقتصاد عالم القرون الوسطى ، النص : " ...  إن ذهب مالي كان أكثر من أساس لرخاء شمال إفريقيا والأندلس وقد لعب دورا بارزا في تاريخ حوض المتوسط كله ، فقد بدأ تداول هذا الذهب من القرن الرابع عشر الميلادي عقب رحلة الحج الشهيرة لملك مالي منسى موسى .. . " أ . هـ .
 
فيلاحظ أن هذا الاتصال المباشر بين إمبراطورية مالي والمراكز المزدهرة للحضارة العربية الإسلامية الكبرى كان سببا قويا في تعريف العالم الخارجي بهذه الدولة ، وذيوع صيتها وقد ساعد في تدفق غير مسبوق للمؤثرات الحضارية والثقافية على حواضر ومدن الإمبراطورية من خلال هجرة العقول وكبار أصحاب المال والأعمال ، والدعاة ، والباحثين عن فرص النجاح والربح والتفوق.
 
ولم تلبث أن أعطت هذه المؤثرات أكلها  وأنعكس ذلك جليا على كل مظاهر الحياة في كل المراكز الحضرية الكبرى للدولة .
وتغلغل الإسلام وثقافته العربية في كل أرجاء المنطقة ، وبدا التأثير الثقافي المباشر لبلاد المغرب في سيطرة المذهب المالكي والعقيدة الأشعرية ، وإزاحتهما لبقايا مفاهيم شيعية ترسبت في بعض الممارسات الشعبية أو بعض رؤى وعقائد الإباضية التي كانت قد تسربت إلى المنطقة بواسطة العلاقات التجارية مع الرستميين والدعوة العبيدية التي كانت ترافق بعض التجار والدعاة القادمين مناطق بلاد الجريد في جنوب القطر الجزائري حاليا .
 
ونتيجة للحراك الثقافي واهتمام الحكام وعلية القوم بالثقافة العربية الإسلامية سجل المؤرخون رواجا غير مسبوق للكتاب العربي ، وارتفعت أثمان الكتب بصورة ملفتة للإنتباه ، وارتفعت مداخيل أصحاب الحرف المرتبطة بالكتب ، كالنسخ والتغليف والزخرفة والتجليد .. الخ .
فكان الإهتمام البين لأغلب نخب المجتمع باقتناء الكتب والتنافس في جمعها في مكتبات منزلية تتصدر بيوت الميسورين والعلماء والدعاة  ويسمونها ( خزائن ) .
 
    ويبدو أن هذه الظاهرة الملفتة هي التي نتج عنها هذا التراكم المذهل للكتب والمخطوطات في حواضر وبوادي هذه المنطقة ، والذي يشهد له ما بين أيدينا حتى الآن من موروث غني وثروة عظيمة من المخطوطات تتجاوز -  حسب إحصاءات بعض الجهات المهتمة بتراث المنطقة المخطوط - عدة ملايين من الكتب المخطوطة والوثائق التاريخية القيمة .
 
ومن مظاهر وآثار ذلك التأثر بالحضارة العربية الإسلامية في بلاد القوم لوحظ شيوع انماط وسلوكيات أهل الشمال في الحواضر الكبرى للدولة .
ويقول القلقشندي في هذا السياق :
" ... إن كتابة أهل مالي بالخط العربي على طريقة المغاربة ... " ويستشهد بكتاب بين يديه وصله للتو من سلطان مالي إلى أحد سلاطين المماليك في مصر ، وهذا يبين بوضوح تأثير بلاد المغرب في المنطقة .
ويضيف القلقشندي في النص نفسه عن ملابس وأزياء الماليين ، وكيف يركبون خيولهم ، حيث يقول  : 
" ... ولباس أهل مالي عمائم بحنك مثل العرب ، وجلاليب ودراريع كالمغاربة ، وهم في ركوبهم الخيل كأنهم العرب ... الخ " أ . هـ .
 
وهنا يجدر التنويه بعلاقة أباطرة هذه الدولة الروحية والوجدانية باللغة العربية وثقافتها فقد أشارت المصادر العربية إلى حب أباطرة مالي العميق للغة العربية وثقافتها وشديد تمسكهم بها ، خاصة الملك ( منسى موسى ) وكذلك الملك ( منسى سليمان ) وأنهما كان يجيدان اللغة العربية إجادة تامة ، ويتذوقان الشعر والأدب العربيين ، بل وكان أغلب من يحيط بهما على إلمام بدرجة أو أخرى باللغة العربية وآدابها .
 
ومما تقدم نتبين شيوع المؤثرات الثقافية والحضارية العربية في هذه الإمبراطورية ، وكذلك كان الأمر في امبراطورية الصنغاي وخاصة بعد أن استلمت أسرة الأسكيا محمد توري الكبير زمام الحكم في الإمبراطورية .
فقد أضفى الملك الأسكيا الحاج / محمد توري الكبير على دولته طابعا إسلاميا خالصا ، فعكس بذلك ما كان عليه أسلافه السابقين من ملوك ( آل ضياء ) و ( ذا أو جا اليمن ) من مجافاتهم للعلماء والفقهاء واستخفافهم بالدين ، بل ومعاداة بعضهم له بشكل صريح ومباشر كما هوحال سوني آلــي بيري  .
 
وقد ازدهرت الثقافة العربية الإسلامية في عهد الملك / محمد توري أيما ازدهار ، وانتعش الإقتصاد وازدهرت التجارة ، وعم الرخاء أرجاء البلاد ، ونظمت الأسواق وأمنت طرق القوافل التجارية القادمة من الشمال نحو المراكز التجارية في الدولة .
وسجل للأسكيا / محمد توري اهتمامه البالغ بجامعات تمبكتو ، وبعلمائها وطلاب العلم فيها ، وقد تقاطر على حاضرته العديد من العلماء والفقهاء لما بلغهم عنه من علو الشأن وحبه للدين الحنيف وتقديره لأهل العلم والمعرفة ، وكان من أهم من أستضافهم هذا الملك من علماء الشمال في تلك الفترة وتصدروا للدرس في مجلسه الملكي وسمع منه واستفتاه : علامة الصحراء وبلاد السودان الشهير الشيخ /  سيدي محمد بن عبد الكريم المغيلي وكان  يرافقه في هذه الرحلة تلميذه النجيب ومريده الطائع وحامل رسالته من بعده في الصحراء وبلاد السودان : سيد عمر الشيخ الكنتي .
 
 ومن الأمور التي ميزت هذه الزيارة ما خُلِّد في التراث الثقافي للمنطقة عن تلك الدروس العلمية في مجلس الأسكيا / محمد توري للشيخ / المغيلي والتي عرفت فيما بعد بـ : أجوبة المغيلي على أسئلة الأسكيا الحاج / محمد توري ، وكانت هذه الأسئلة تتمحور حول أغلب القضايا والمشكلات التي كانت تدور في مملكة الأسكيا ، وتهم رعاياه وعموم شعبه ولم يجد لها أجوبة شافية عند فقهاء مملكته  .
 
  وقد استمر على نهج الأسكيا محمد هذا في اهتمامه بالعلم وتقديره لأهل العلم والعلماء أغلب من جاء بعده من ملوك الصنغاي .
 
وفي السياق تذكر المصادر أن من شغف الأسكيا / داوود - وهومن ملوك الصنغاي الكبار الذين جاؤا بعد المؤسس محمد توري - بالثقافة العربية وحبه الكبير لآدابها ومعارفها أنه كان يمتلك مكتبة ضخمة أفرد لها مكانا مميزا في قصر الحكم وقد جمع فيها  كماً عظيما من الكتب من شتى المعارف والعلوم النفيسة ، وكان يعمل بها الكثير من النساخ والكتبة  ، يعملون ليل نهار على نسخ المخطوطات والكتب النادرة على نفقة الملك وكان يصرف لهم رواتب كبيرة وحوافز مجزية ، ويذكر أنه بلغ من حبه وشغفه باللغة العربية أنه أشترى قاموسا عربيا - يقال أنه القاموس المحيط - بمليغ ثمانين مثقالا ( 80 ) من الذهب الخاص .
 
ويتحدث حسن الوزان خلال إحدى زياراته إلى المنطقة عن اهتمام حكام البلاد بالعلماء والفقهاء العرب المسلمين وعنايتهم باللغة والعربية وثقافتها فيقول :
" ... وفي تمبكتو عدد كبير من القضاة والفقهاء والأئمة يدفع لهم الملك مرتبا حسنا ... " ثم يضيف الوزان في إشارة ذات مغزى : " .. إن هذا الملك كان يهتم بالأدباء كثيرا ... " أ . هـ .
 
وهذه الإشارة تؤكد ما تذكره بعض المصادر من تمكن بعض أباطرة وملوك هاتين الإمبراطوريتن من اللغة العربية ، وتذوقهم الرفيع لأشعارها وآدابها الراقية ، والذي لا شك  فيه أن الذي لا يدرك ويفهم ما يقال فيه من شعر جميل عذب وقصائد عصماء تمتدح خصاله وسجاياه لن يهتم قطعا  بالأدباء والشعراء بله أن يقدرهم ويجزل لهم في العطايا والهبات .
 
ويتحفنا رحالة المغرب الكبير ابن بطوطة عند زيارته لمــالي بصورة في غاية الروعة والجمال عن تجذر الدين الإسلامي في القوم وحبهم له وتمكنه من شغاف قلوبهم ؛ تعظيمهم للقرآن الكريم بدليل حرص القوم الشديد على تحفيظ القرآن لفلذات أكبادهم وأجيالهم الصاعدة حتى لو استخدم بعضهم في ذلك أقسى وأصعب الطرق والأساليب ، يقول ابن بطوطة من خلال مشاهداته لتأكيد هذا المعنى  : " ... فكان بعضهم يقيد ولده حتى يُتم حفظ القرآن ... " أ . هـ .
   
كانت تلك نماذج لبعض المظاهر والآثار للحضارة العربية الإسلامية التي استوطنت وترسخت في منطقة حوض النهر على سبيل المثال ، وقد أذهلت رحالة إنجليزي زار المنطقة في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي فقال عن مشاهداته تلك الملفتة والمذهلة :
أنه وجد إلمام أهل هذه البلاد باللغة العربية أكثر من إلمام أهل أوروبا باللغة اللاتينية ، وأنه وجد أكثرهم يتكلمون العربية إلى جانب لغاتهم المحلية بكل سهولة ويسر   ..!!!
 
ولتأكيد نفس المفهوم حول توطن الثقافة العربية في المنطقة وسيطرتها على مجمل المشهد العام في حياة الناس وإدارة شؤونهم العامة ، يذكر الكاتب والمستشرق الفرنسي : ( بول مارتي )  أن كل المعاهدات التي كتبت بين السلاطين المحليين والغزاة الفرنسيين عند احتلالهم للمنطقة كتبت نصوصها الرسمية باللغتين :
العربية والفرنسية معا .
والسبب ببساطة أن الفرنسيين وجدوا اللغة العربية هي اللغة الوحيدة المستعملة كلغة رسمية في كل المعاملات الرسمية والإدارية ، بل وكذلك المعاملات التجارية المتمثلة في عقود البيع والشراء وصكوك الديون .. الخ ، وكذلك الأمر في الشأن الإجتماعي فعقود الأنكحة والطلاق ، والعتق وغيرها كل هذا كان يوثق ويكتب باللغة العربية في كل الممالك والسلطنات القائمة في منطقة الغرب الإفريقي قبل الغزو والإحتلال الفرنسي للمنطقة .
 
 وفي الختام نستطيع أن نلحظ من خلال ما تقدم من لمحات عن بعض المحطات التاريخية لهذا الجزء من الحيز الجغرافي المعروف بمنطقة الساحل والصحراء والذي تدخل فيه منطقة ثنية النهر وحوض نهر النيجر  نستطيع أن نستخلص ونقول إن من يستعرض تاريخ هذه المنطقة يكتشف عمق الروابط التي تجمع هذا الشعب الذي عمرها منذ فجر التاريخ ، وقدم الإمتزاج والتداخل الإجتماعي والثقافي في المجتمع الصحراوي السوداني ، منذعصر العربات التي تجرها الثيران والخيول ، وصور البقرات ذوات القرون الطويلة المرسومة على الصخور والكهوف الجبلية المنتشرة في أرجاء الصحراء الكبرى مرورا بكتابات نصوص التيفيناغ المكتوبة على صخور جبال آضغاغ إفوغاس ، والعلاقة الكبيرة التي تكاد تصل حد التطابق شبه الكامل بين لغات الأقوام الذين أسسوا الكيانات والحواضر الأولى على ضفاف النهر ، كالعلاقة العضوية - مثلا - بين لغة إيقدالن ودوسهاك ولغة الصنغاي .
 
ثم استعراض تاريخ الكيانات السياسية التي تأسست في المنطقة ( غانا .. المرابطون .. مالي .. الصنغاي ..الخ ) ودور مختلف الأثنيات والجماعات في قيامها والنهوض بعجلة التطور والتقدم فيها ، ثم ذلك الدور العظيم الذي قامت به حركة تجارة القوافل في نشر وترسيخ حضارة الإسلام والثقافة العربية في المنطقة ، ثم دور هجرة الجماعات والأفراد إبان العهد الإسلامي في تمتين عرى وروابط هذا المجتمع بعد اعتناقه للإسلام طواعية دون أي ضغط أو إكراه أو ترهيب من أية جهة كانت .
 
من يستعرض كل هذه المعطيات والحقائق التاريخية يكتشف أن هذه المنطقة لم تخلص كاملة عبر تاريخها المكتوب لأي جنس بعينه أو لون بذاته أو لقومية معينة ، بل كان العيش المشترك هو ديدنها ومصيرها المحتوم ووصفتها الناجعة التي قامت عليها كل الحضارات والكيانات التي ولدت وأزدهرت على أرضها الطيبة وبسواعد أبنائها البررة الميامين .
 
ويبدو لي من خلال استقراء وتحليل ما تقدم من حوادث أيامها أن هذا هو قدرها الذي كتب لها منذ الأزل ، وكلما أرادت فئة ما أو أثنية ما أن تضطهد غيرها أو تهمشهم وتستحوذ هي فقط على مقدرات البلاد وخيراتها دونا عن البقية الباقية من الفئات والمجموعات الأخرى لا يصلح لها ذلك ولا يستقر لها حال حتى تعيد الأمور إلى نصابها الطبيعي .
 
والذي لا خلاف عليها كذلك - عند العقلاء - أن ما يجمع أهل هذه المنطقة أكثر مما يفرقهم ، وما يقاربهم أكثر مما يباعد بينهم ، وعليه ينبغي أن تكون إرادة العيش المشترك أقوى عند الجميع من الحسابات الأنانية الضيقة والقصيرة الأجل ، وصدق من قال : " ... العدل أساس الملك .. " فلا تعايش ولا استقرار ولا تنمية بدون رغبة قوية وصادقة لدى كل الأطراف بضرورة وأهمية هذا التعايش ، ولا دولة تقوم .. وتدوم بدون إقامة العدالة والمساواة بين كل مكوناتها وفئاتها .
    
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
      
     
         

(37) تعليقات

الفلسطينيــــون وحـــدهم في (( يوم النفيــــــــــر )) لنصرة الأقصى !!!

  بسم الله الرحمن الرحيم
 

 قال تعالى :

((  سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصا الذي باركنا حوله لنريه من ءاياتنا إنه هو السميع البصير ... ))

 

ألا تكفي هذه الآية الكريمة في ربط أمة الإسلام قاطبة بهذا المسجد ، وبهذه البقعة المباركة  بنص القرآن العظيم من أرض الإسلام  ؟!!

أليس هو أولى القبلتين .. وثالث الحرمين .. ومسرى رسولنا الكريم - صلى الله عليه وسلم - ؟!!

وفي الحديث النبوي الشريف :
لا تشد الرحال بعد الحرم المكي .. ومسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - إلاَّ له ..
 
ومن وحي ما يحدث هذه الأيام في فلسطين - أرض الرسالات السماوية المقدسة - الدعوة إلى يوم (( النفير )) لنصرة الأقصى كتبت جريد  : ( الخليج ) الإماراتية اليوم هذا الخبر بالخط العريض :

لم يستجب العالم العربي  .. و ( الإسلامي ) للدعوة إلى يوم النفير لنصرة المسجد الأقصى المهدد بالهدم سوى بتظاهرة في مدينة الزرقاء الأردنية ، وأخرى في كشمير ، وهكذا بقي الفلسطنيون وحدهم يدافعون عن المقدسات في وجه التهويد ، ويتعرضون لإرهاب العدو المتمادي ..... !!!!! .أ . هـ

لاشك أن الأمة الآن تتعرض لمحن ، وتحديات تفوق الوصف ، وأن الإستهداف  المخطط طال ، ويطول كافة مكوناتها : إنسانا وأوطانا ، ومقدسات ..

وقد حرص العدو الشرس منذ محاكم التفتيش في الأندلس - في القرن الرابع عشر الميلادي - أن يستهدف - بعد ما يتصور أنه انتصار له على الأرض - أن يستهدف مقدساتنا ، ودور عبادتنا ؛ مساجدنا الطاهرة بيوت الله التي يعمرها الذكر حدث ذلك في أماكن عدة في الجزائر على سبيل المثال  هدم الغزاة الفرنسيون الكثير من بيوت الله ، عندما احتلوا البلاد واستعبدوا العباد ، بل وحولوا بعضها إلى أصطبلات ، وحانت ، ودورلأغراضهم الخاصة ، وكذلك حدث في مناطق كثيرة ...
ولكن ما قام ، ويقوم به العدو الصهيوني في الأرض المباركة فلسطين الآن يفوق كل ما سبقه .
 ودعوني أستشهد هنا بمقالة للدكتورة / عيدة المطلق ..
حيث تقول : ففي فلسطين وحدها هناك ( 1400 ) ألف وأربعمائة مسجد حولها اليهود - أكرمكم الله - إلى دورات مياه - تعني مراحيض - واصطبلات للخيول ... بل ومراقص ليلية .. وحظائر لخنازيرهم النجسة .أ . هـ .

   أما المسجد الأقصى المبارك فنظرة الصهاينة له لها أبعاد أعمق .. وأشرس مما يتوقعه البسطاء منا  والودعاء الحملان ؛ الذين يحلمون بأن تتنازل لهم إسرائيل عن مطرح أنملة مما أخذته بالقوة !!!

فمن أهم منطلقات الحركة الصهيونية ابتداءً : هدم المسجد الأقصى المبارك .. وإقامة الهيكل المزعوم في موقعه وعلى أنقاضه !!!

ولكن في الوقت المناسب ...
 
وهذا التوجه معلن في أدبيات ساستهم  وقادتهم المؤسسين ومفكريهم  وجميع ناشطيهم الفاعلين ، منذ بدؤا ينظرون لإقامة هذا الكيان المسخ على أرض فلسطين الطاهرة المباركة .
 
 اقرؤا ماذا يقول الصهيوني : ( تيودور هيرتزل )
" إذا حصلنا يوما على القدس  وأنا على قيد الحياة  فلن أتأخر لحظة واحدة عن إزالة كل شيئ ليس مقدسا لدى اليهود .. وسوف أدمر كل الآثار التي مرت عليها قرون "
أظن أن ما يقصده هذا الصهيوني المتطرف واضح ، وبين ؟ !!!
 
ومنذ احتلال الأقصى في حزيران 1967م تأسس في الكيان الصهيوني عشرات التجمعات .. والجمعيات المرخص لها قانونا بالعمل العلني ، وتتركز جهودها أساسا - غير المحمودة - لوضع اليد على الأقصى ، وما حوله إذانا بالعمل على هدم أقصانا المبارك ، وإقامة هيكلهم المزعوم .. وظل العمل عندهم لتحقيق هذا الهدف يجري على قدم وساق منذ ذلك التاريخ إلى يومنا هذا ...
وكانت منهم المحاولات تلو المحاولات لهدم المسجد أو حرقه بواسطة أفراد موجهين تخطط لهم جماعات ثم عندما تفشل المحاولة أو يقبض على فاعلها تفبرك له تهمة الإصابة بالجنون أو عدم الأهلية العقلية ويتبرأ منه .
والكل يذكر أو سمع بحادثة : 1969 م التي أحرق فيها منبر صلاح الدين ، وكادت تأتي على أجزاء مهمة من الحرم الشريف وكانت الدافع المباشر لعقد أول مؤتمر قمة إسلامي ، وأتفق على عقده في المملكة المغربية ، ومن أهم ما انبثق عن هذه القمة قيام منظمة المؤتمر الإسلامي ، وتأسيس لجنة القدس .
 
 ولكن السؤال المهم الآن : ماذا فعلت منظمة المؤتمر الإسلامي لتحرير الأقصى أو حمايته من المخاطر التي تتهدده ؟!!! .
 
وماذا علينا نحن فعله الآن لأحباط هذه المخططات الشيطانية الجهنمية التي تستهدف أقدس مقدساتنا في فلسطين  المحتلة ؟ !!!

هل سنظل نتفرج .. ونشجب .. ونستنكر .. وندين .. ونستجدي المجتمع الدولي .. ومنظماته المتواطئة مع الصهاينة منذ وضعت خطة تقسيم فلسطين بين أهلها الحقيقين وشذاذ الآفاق ممن لفظتهم أوروبا  بل والغرب كله وحتى هذه اللحظة ... وفقط ؟ !!!

إن هذه المفردات التي نسمعها اليوم على ألسنة قادتنا ، وحكامنا في العالم العربي  .. والإسلامي .. ( هذا إن نطق أحدهم  أصلا ) اسمحولي أن أقول : إنها لا تسمن ، ولا تغني من جوع ... وهذا العدو المتغطرس .. المنتشي بمساندة ساسة الغرب له - المتحكمين في مصائر العالم اليوم  - لا يعيرها إهتماما جديا ، وهي لا تعدو عنده فقعات من زبد الماء .. - وهي فعلا كذلك - وفي أحسن الفروض قد يعتبرها للاستهلاك المحلي فقط ، وتطييب خواطر المواطنين البسطاء ، وليست موجهة إليه .. ولن تضر بمصالحه مع الدول العربية ، والإسلامية التي أصبح يرتبط بعلاقات تطبيعية مع أغلبها إما في السر وإما في العلن ... !!!
 
وهذا صحيح بدليل أننا لم نسمع أو نقرأ ، أو نشاهد أية دولة عربية ، أو إسلامية من الدول التي تقيم علاقات دبلوماسية مع الكيان الصهيوني تحتج أو تقطع علاقاتها معه ، أو حتى تهدد بذلك .. ويبدو أن السلام مع هؤلاء شذاذ الآفاق من العصابات التي تجمعت في أرض الإسلام أهم عند حكامنا من المقدسات !!!
ولكن هل يا ترى حكام الأمة الآن يعتبرونا مقدسات الإسلام   مقدساتهم ؟ !!!
 
والذي يثير الخشية الحقيقية الآن - يا إخوتي الأكارم - هو أننا كأمة مسلمة  ربما نعيش  أسوأ لحظاتنا التاريخية  وربما تصور العدو - واهما أو صادقا - بأننا في أضعف مراحل مسيرتنا التاريخية .. وأنها ربما تكون اللحظة المناسبة له لتنفيذ مخططه الجهنمي في تدمير الأقصى ، وإقامة معبده المزعوم ....
فماذا علينا نحن فعله كسواد أعظم من أفراد ، وجماعات نسمع ونرى ما يحاك من مؤآمرات لنا ولمقدساتنا ولكننا لا نملك قوة الفعل في حماية المقدس والدفاع عن كينونة الأمة المهددة  ؟ !!!

سؤال الإجابة عليه ملحة ، وتحتاج إلى تجميع رأي حولها ..

وسؤال آخر أكثر إلحاحاً : إلى متى يظل الفلسطنيون وحدهم يدفعون الثمن الباهظ للدفاع عن مقدسات هي  للأمة جمعاء وبإقرار الجميع ؟ !!!
 
وأين العالم المتحضر الذي يملأ الدنيا صراخا .. وعويلا .. وشجبا .. وإدانة  عندما تتعرض معابد الوثنيين في التبت لنسمة هواء عابرة .. ومازلنا نذكر جميعا قصة وقوف العالم بأكمله ضد هدم جماعة طلبان لمعبد بوذا في جمهورية آفغانستان ...
وكيف أن تلك الحادثة - برغم عدم إقرارنا لها - ربما كانت من الذرائع التي سُوِق بها لإحتلال ذلك البلد المسالم .. الوديع الذي لم  يغزو أحدا من جيرانه .. أو من الأبعدين .. ولم يهدد يوما السلم العالمي .. ومع ذلك أحتلت أرضه  .. وقتل شعبه  .. وأنتهكت أعراض حرائره .. وجندت وسلطت جماعات وجمعيات التنصير على شرائحه الضعيفة لتنصيرها ، وصدها عن دينها الذي تربت عليه منذ قرون في أبشع صورة حديثة لإستغلال معاناة بني البشر .. ومزق إربا إربا .. وشرد الكثير من بنيه .. ومازال يعيش مأساة الإحتلال .. والظلم .. والقهر .. والتنكيل .. والعسف .. والإستبداد ؟ !!
 
إخوتي الأفاضل يبدو أن الأمة الوحيدة المستضعفة في عالم اليوم والمستباحة أرضها .. وعرضها ومقدساتها .. ودينها .. وثقافتها ؛ هي أمة الإسلام .. (( فلماذا يكرهوننا إلى هذه الدرجة )) - على رأي الأمريكان - ويتمالؤن علينا جميعا برغم أن ماضينا التاريخي معهم - ومع غيرهم - لم نكن فيه يوما غير نبلاء مع من نتغلب عليه منهم .. أو نفتح أرضه ؟ !!!
 
أيها الإخوة الكرام آمل أن  نتشارك جميعا للإجابة بواقعية .. ومسئولية أكثر على هذه التساؤلات ، فالموضوع جد خطير ...
 

ودعوني أختم بهذه العبارة البليغة  للأخت/ المعتزة بدينها :

أقصانا .. لا هيكلكم .... ومسجدنا .. لا معبدكم المزعوم ..
  ولأمتنا العظيمة العزة .. والخلود ...

(45) تعليقات

هموم قـارة ... " القـــارة الثــــــــرية الفقيرة " !!!

لاشك أنكم تعلمون جميعا أن الموطن الأصلي للعرب هو :
" شبه الجزيرة العربية " ، ومع هذا فأكثر من ثلثيْ ( 2/3 ) العرب يعيشون في القارة الإفريقية ، وهذا في ناموس ، أو قانون  الحراك البشري عبر التاريخ ليس بالغريب ، وأقرب مثال حاضر للعيان هو الوجود الأوروبي الطاغي في الأمريكيتين ، بالمقارنة مع سكان القارتين الأصليين ، مع الفارق طبعا  في المقارنة !!
 
وفي القارة الإفريقية ، التي قال عنها مستشرق غربي زارها مستطلعا في أواخر القرن التاسع عشر الميلا
دي ، قال ما معناه مستصرخا قومه : لو لم يتدارك الغرب الأمر ، ويأخذ بزمام المبادرة في إفريقيا لتحولت إلى قارة مسلمة بالكامل بحلول تاريخ استشرافي ، حدده .
 
 وإفريقيا ، في الحقيقة قارة بكر ، وهي قبلة لكل أصحاب الديانات الكبرى لنشر مبادئهم وتعاليمهم بين سكانها الطيبين ، وهي نفسها موطن للكثير من الديانات ، أو قل العبادات الوثنية المحلية ، ذات الطقوس البسيطة ، والممتزجة بالسحر في بعض الأحيان ، وتقديس الأسلاف .
 
ولكن في الحقيقة والواقع الإحصاءات الرسمية الموضوعية تبين أن أكثر الأديان أتباعا وحضورا في أفريقيا هو : دين الإسلام بدون خلاف من حيث عدد معتنقيه وأنتشار الثقافية العربية الإسلامية بين سكان القارة يدعو إلى الفخر والإعتزاز .
 
فهي إذن بالإضافة إلى الوجود العربي الكثيف في شمالها ، وغربها ، وشرقها ، أيضا تتمتع الأمة الإسلامية فيها ، بحضور ، ووجود  مؤثر ، ومتميز ، وعليه فهي قارة نحظى فيها ، بمكاسب ، وتميز ، ومصالح قريبة ، وبعيدة ، وعمق استراتيجي ، لا ينبغي التفريط  فيه بأي حال من الأحوال ، ويجب أن تظل  دائما قريبة من العين ، والقلب ، والوجدان ، والتفكير .
 
وهذه القارة العظيمة ، الواعدة ، ذات الموارد المتجددة ، والتي يحلو للبعض بتسميتها : بـ " قارة المستقبل " ، والتي تبين بالتنقيب والدراسة المعمقة أنها تزخر بكل خيرات الدنيا - المعادن التي في باطن الأرض بكل أنواعها .. والتربة الصالحة لزراعة كل أنواع المحاصيل .. والمياه ؛ الجوفية منها .. والنهرية .. والأمطار الموسمية .. ومصادر الطاقة بأنواعها سواء القابل للنبوض كالبترول والغاز .. أوالمتجدد كالطاقة الشمسية ، والرياح .. الخ -  وفي نفس الوقت يعيش الإنسان الإفريقي فيها عيشة : الكفاف ، والبؤس ، والشقاء .
 
  ترى كيف نقييم ، ونحلل هذه المعادلة الصعبة ؟ !!
 
هل العيب ، والخلل في الإنسان الإفريقي ؛ أي :  فينا نحن أبناء هذه القارة ؟ !!
 
هل هو في ثقافتنا ، وطرق معيشتنا ، وسبل حياتنا ، وما ورثناه من   منظومة : أعراف ، وتقاليد ، وقيم ؟ !!
 
وهل يمكن أن نلقي باللائمة على من جثموا على صدورنا ، وكتموا أنفاسنا دهورا ، ثم رحلوا ، وقد غرسوا فينا ما يعرف بنفسية :
" القابلية للإستعمار " ، وتركوا القارة مثقلة بأعباء ، وقيود ، من صنعهم هم ، ويصعب علينا نحن الآن التخلص منها ، بعد ما ملكنا أمرنا ... إن كنا أصلا ملكنا من أمرنا شيئا بعد؟ !!!
 
رجاء تعالوا نتشارك بكل صدق ، وتجرد لنقاش هذه النقاط أعلاه .
 
وسأشرككم معي بقراءة فحوى التقرير الذي أثار في خلدي هذه الأسئلة المحرجة ، وحرك ما بالنفس من حرقة ، وألم جراء ما يعانيه الإنسان الإفريقي المكافح ، والصبور ...
 
كنت اليوم في بداية يومي العملي ، أتصفح أحدى المجلات العربية المرموقة ، والتي تعنى بشأن النخب ، وعلية القوم في وطننا العربي الكبير ، مجلة : " الرجـــــــــل " وفي الأثناء وقعت عيناي على هذا الخبر القصير ونصه :
 
" أفريقيا .. القارة الثرية الفقيرة ..
 
ثم يسترسل الخبر ... يبلغ المعدل الوسطي السنوي لدخل المواطن الأفريقي : ) 650  : (  دولارا أمريكيا ، والجدير بالذكر أن أكثر من :
( 291 ) مليون أفريقي من أصل  عدد سكان القارة السمراء ، الذي يربو حاليا على : ( 704 ) ملايين نسمة ، يعيشون  على دخل متواضع  يقل عن دولار ( 1 ) واحد في اليوم ،ولتكتمل الصورة البائسة يقدر أنه يموت يوميا نحو : ( 30 ) ألف طفل أفريقي بسبب الفقر القابل للمعالجة .
 
 ومن جهة ثانية تشير الإحصاءات إلى أن نحو : ( 4.5 ) مليون طفل أفريقي يموتون سنويا قبل بلوغ سن الخامسة .
 
في حين يصل المعدل العمري التقديري لمواطني الدول الصناعية الثماني الكبرى : ( 77 ) سنة ، لا يزيد المعدل العمري التقديري للمواطن الأفريقي عن : ( 46 ) سنة !!!
 
ترى ما مدى مصداقية هذه الإحصاءات ، والتقارير ؟ !! 
 
وهل يستطيع الإنسان الأفريقي الآن أن يتدارك أمره ، ويحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه ، قبل أن تغرق السفينة ؟ !!
 
وهل العرب ، والمسلمون ، أعطوا إفريقيا حقها عليهم ، من الإهتمام بمشكلاتها العويصة ، ومعاناة أهلها الكرام  ؟ !!
 
إخوتي الأكارم ، لا تبخلو علينا بتنويرنا بمشاركاتكم في إثراء نقا ش هادف ، وبناء ، وموضوعي حول هذه المحاور التي تعنى بمشاكل قارة كبيرة .. وعظيمة .. وواعدة .. وهي منا ونحن منها  .. 
 

(43) تعليقات

إشراقات صوفية : من أدعية الشيخ / سيد المختار الكبير الكنتي الفهري ( 1730/1811م )

لننتهز هذه العشر الآواخر من هذا الشهر الكريم لنكثر من الأعمال الصالحات ، ولنكثر من الدعاء فالدعاء مخ العبادة ..
وقد بشرنا رسولنا الكريم - صلى الله عليه وسلم - بأن الله تعالى أنزل عليه فيما أنزل : " وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون "
وبشرنا صلى الله عليه وسلم ، بمكرمة مولانا عز وجل لنا  في محكم تنزيله : " وقال ربكم ادعوني أستجب لكم "
وفي الحديث ؛ قال صلى الله عليه وسلم : " إن الله تعالى حيِيٌ كريم يستحي إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردهما صفرا خائبتين " رواه أحمد ، وأبوداود ، والترمذي ، وابن ماجه ، والحاكم ، عن سلمان رضي الله عنه .
 
نص دعاء الشيخ :
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد ، وعلى آله ، وصحبه ، وسلم تسليما .
 
" ربنا ظلمنا انفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين "
بتعلق هممنا بغيرك
اللهم ... افردنا بك إليك .. وبلغنا منك إليك .. وقربنا منك إليك .. واهدنا منك إليك .. وافتح علينا من فضلك لا معقب لحكمك ، ولا راد لفضائلك ..
بلغ سوابق الهمم من خصصته بسابق القسم إلى حضرة الكرام فأصبح بعين عنايتك محمودا ، مشهودا .. وصار شاهدا بعد ما كان مشهودا ..
 
اللهم ... غيبنا بك عن الوجود .. ومتعنا بلذة الشهود .. ولا تطردنا عن فسحة المعبود ..
يا ذا العرش المجيد يا فعالا لما يريد ..
أنت القريب .. وأنت البعيد تعاليت عن الاتصال ، وتنزهت عن الانفصال ..
 
 تناهت دون رفعة مجدك النهايات ..
وانحسرت دون باذخ علوك الغايات ..
فأنت غاية الغايات .. ونهاية النهايات ..
 
 الأسباب دون ما لديك قاصرة ، والأبصار دون جليل قدرك حاسرة .. وهي بالحجاب عنك باصرة ..
 
تعلم أحوالنا كيف ما كانت ، وتقبلها أينما دانت .. فصيرها نورانية ممزوجة بمعان التسكين ، محفوظة بأسرار التمكين ..
مصدرها منك ، ومرجعها إليك ، تمطرها بالبركات ، وترفعها عن الدركات ..
نهايتها أن لا تتناها إذ لا نهاية لمن نهايته لا تتناها .
 
 
اللهم ... خذنا عنا إليك .. ورغبنا فينا لديك ..
واحرسنا بعينك ، وعرفنا محل القرب ، واجعلنا أقرب من القرب ..
إذ إنما القرب بالأعمال ، والأعمال أسباب ، والأسباب مقطوعة دون محل القرب ، بل إنما هي أعيان تقرب ، لا معاني قرب .. وأشخاص قربة لا مداد رتبة ..
إذ قلت ، وقولك الحق : " كل نفس بما كسبت رهينة "
 
ونسألك أن نكون من أصحاب اليمين الذين سبقت لهم منك الحسنى ...
فأخذتهم منهم إليك .. غير معتمدين على غيرك .. إذ الأعمال حيثما أعتمدت عليها حجاب ..
 
لا شريك معك في الوجود ، يتوصل به إليك ، بل أنت الواحد الأحد .. تفرد من أفردته بالتوجه إليك .
 
 
اللهم .. إنا قد مددنا أنامل الذل ، بأكف القل ، على سواعد الاضطرار ، بأعناق الإفتقار ، ودموع الإزدجار ، وأفئدة الإعتبار ، فلا تخيب من لا يجد مرجعا ، إلا إليك ..
إذ بواسع فضلك خصصت المضطر إنه لا يجيبه غيرك .. " فقل أمن يجيب المضطر إذا دعاه "
فحقق فقرنا واضطرارنا إليك ، واغننا بواسع فضلك عن الرجاء من غيرك ..
 
فإن الخاسر المدحور من أحلته في مسئلته إلى غيرك ، وطردته عن واسع خيرك .
 
 
اللهم .. أقذف في أسرارنا أنوار الهمم ، وخذنا بأزمتنا إلى أبواب الكرام ، واتحفنا بأنوار القسم ..
 يا من يعلم مصالحنا ..
ويا مطلعا على أسرارنا فاختر لنا ما فيه صلاح ما بيننا ، وبينك ، في أزل علمك ..
 
 وثبت في ديوان السعادة أسماءنا .. وامحها من سجل الشقاوة ..
 يا من له المحو ، والإثبات ..
 يا رحمن بلا علة .. ويا كريم بلا مانع .. يا أرحم الراحمين .. يا ذا الجلال ، والإكرام ...
 
 
وصلي اللهم ، وسلم ، على خير الأولين ، والآخرين ؛ سيدنا محمد ، وعلى آله ، وصحبه أجمعين .. أ.. هـ
آمين ..
 
 وتقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال .      
 

(45) تعليقات

إشراقات صوفية : السجــــــــــــــــــــــــــود

خاطرة :
 
للشيخ الدكتور/ عبد الحليم محمود - طيب الله ثراه - بتصرف بسيط :
 
في هذا الشهر العظيم ؛ شهر رمضان الكريم الذي أنزل فيه القرآن تهفو النفوس الطيبة - المتعطشة إلى رحمات ربها الرحمن الرحيم - تهفوإلى وقود الروح ، وإلى كل ما يزيدها قربا ، ودنوا من بارئها فطوبى لمن يوفق  إلى اغتنام هذه الأيام القليلة في طاعة خالقه ، ومولاه ..
 
يروي الإمام مسلم - رضي الله عنه - في صحيحه ، عن أبي فراس ربيعة بن كعب الأسلمي - رضي الله عنه - خادم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان من أهل الصفة ، قال :
 كنت أبيت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فآتيه بوضوئه ، وحاجته ، فقال :
سلني ، فقلت :
أسألك مرافقتك في الجنة ، فقال :
أوَ غير ذلك ؟ قلت :
هو ذاك ، قال : 
" أعني على نفسك بكثرة السجود " .
 
وعليه فالسجود إذن مما يعين ، ويساعد على  ترويض النفوس ، وتزكيتها .. و ( قد أفلح من زكاها )  والتزكية هنا بمعنى تطهير النفس من الشوائب ، والأكدار .
 
ومن الحديث - الشريف - السالف نفهم أن السجود للمولى - تبارك وتعالى - من الوسائل الموصلة إلى الجنة .
 
وفي هذا المعنى الجميل ، روى الإمام مسلم ، أيضا عن أبي عبد الرحمن ثوبان - رضي الله عنه -  مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول :
 " عليك بكثرة السجود ، فإنك لن تسجد لله سجدة إلاَ رفعك الله بها درجة ، وحط عنك بها خطيئة " .
 
ولا يخفي عليك - أيها اللبيب - أن السجود المقصود في هذه الأحاديث ليس مجرد الحركة المعروفة ، وإنما هو - مع هذه الحركة - المعنى العميق في النفس ، الذي يتمثل فيه جلال الله وعظمته .. ورحمته .. ووده ، ويتمثل فيه الخضوع الكامل مع الرضى الكامل لهذا الجلال .. وهذه العظمة ، والإنقياد الكامل ، والمطلق لرحمة الله .. والتي تتمثل في الرسالة الإسلامية برمتها : أوامرها .. ونواهيها .
 
ذلك لأن الفهم الصحيح للرسالة الإسلامية يكون في إدراك أن تكاليفها سلبا أو إيجابا إنما هي رحمة للعالمين ، يقول المولى - عز وجل - لرسوله الكريم - صلوات الله وسلامه عليه - في هذا المعنى : " ومآ أرسلناك إلاَ رحمةً للعالمين "
 
فإذا كان سجودنا تعبيرا عن التطامن ، والتذلل ، كان ذلك عبادة ، وخضوعا لله - سبحانه وتعالى -  وكان سبيلنا إلى الجنة ..
بل وإلى أكثر من الجنة ، والأكثر من الجنة هو : القرب من الله ، وهل هناك ما هو أعظم .. وأجل .. وأعذب من القرب منه تعالى ؟!!!
يقول المولى عز وجل في محكم كتابه العزيز : " واسجد واقترب ".
 
ويقول حبيبنا - صلوات الله وسلامه عليه - في هذا المعنى : " أقرب ما يكون العبد من ربه وهوساجد "
 
وللقيمة العظيمة للسجود عند المولى - عز وجل - مدح من يعبرون عن خضوعهم لآياته ، واستجابتهم لأمره في الآية الكريمة :
 " إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذُكِروا بها خروا سجدا ، وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون "
 
والذين هداهم واجتباهم : الآية " إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا "
 
ومن صفات عباد الرحمن التي مدحهم ، وزكاهم المولى - سبحانه وتعالى -  بها  : " والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما "
 
نسأل الله - العلي القدير - في هذا الشهر الكريم أن يتقبل منا ومنكم  : صيامنا ، وقيامنا ، وأن يوفقنا إلى كل ما يقربنا إليه من قول أو فعل أو عمل ، وأن يهدينا إلى صراطه المستقيم .. آمين .
 
 
يقول بعض العارفين :
 
الرجاء : يحركك إلى الطاعات ..
 
والخوف : يبعدك عن المعاصي ..
 
 والمراقبة : تؤد بك إلى طريق الحقائق ..
 

(20) تعليقات

الإستقصاء

بسم الله والحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله ..
 
بداية تسعدني الإجابة على هذا الإستبيان الذي كلفني به أستاذي الفاضل / رفقي .. برغم عدم استعدادي لذلك ، بسبب التزامن مع الشهر الكريم ، إضافة إلى بعض الأعمال المتراكمة علي في هذه الفترة ..
 
وتلبية لطلب صديقي وأستاذي الفاضل / رفقي ... ورضوخا للقول المأثور : ( ما لا يدرك كله لا يترك جله ) فإنني بعون الله وتوفيقه سأحاول الإجابة على هذه الأسألة التي أجهل القصد من طرحها على منتسبي   ( مدونات جيران ) وعلى بركة الله نبدأ .
 
1- هل أنت راضي عن المدونة ، شكلا ، ومضمونا ؟
بالنسبة للشكل لا أتوقف عنده كثيرا ..
 
 أما المضمون فلست راض عنه تمام الرضى ؛ فالرضى الكامل يوقف صاحبه عن البذل ، والعطاء المؤدي إلى التميز، والتجدد ، والإتقان .. وأسعى دوما لإثراء مضمون مدونتي ، بالمزيد مما أتصور أنه يضيف جديدا في توصيل رسالة التعريف بالمنطقة ، التي أنتمي إليها .. وبتراثها الغني الذي يربطها بهذه الأمة الممزقة .. المفرقة أمة الحضارة .. والثقافة .. والعلم الممتدة من المحيط إلى المحيط .. و المفصول بينها وبين بقية أوصالها ، وبينها وبين تاريخها المشرق بألف .. ألف  ، حائط ( كحائط برلين ) حتى أن أغلبنا الآن يعرف عن حواضر الغرب : واشنطن.. باريس.. لندن  ...
موناكو.. روما .. أثينا ..  أكثر مما يعرف عن بخارى .. وفاس .. وسمرقند .. ومستغانم .. والقيروان .. والمرية .. وسجلماسة.. وشنقيط .. وقورينا .. وولاته.. وتمبكتو.. وطليطلة .. وأروان ..  وغرناطة .. وتقده.. وإشبيليا .. وقاوه .. وتادمكت ..
 
2- هل تعلم أسرتك الصغيرة بشأن مدونتك ؟
مدونتي ليست سراً أخفيه .. أو عارا أختبيء به عن أعين الناس .. إنما هي نافذة جميلة  أطل من خلالها على جمهور عريض أعتز به وأفخر بما أتمتع به بينهم من مودة ، وتقدير، وتلاقي جميل ، ومثمر، في الأفكار ، والرؤى ، والتصورات ..
وهناك مثل صيني جميل يقول : ( الشيء الذي لا تريد أن يراك الناس تفعله.. لا تفعله )
هذه واحدة ، والثانية أنني في نفس الوقت لا أقوم بالدعاية لمدونتي بين الأهل ، والأصدقاء .. وأغلب من أطلع عليها منهم كان عن طريق الصدفة البحتة .
 
3 - هل تجد حرجا في أن تخبر صديقا عن مدونتك ؟ وهل تعتبرها أمرا خاصا بك ؟
 
   لا على الإطلاق .. وما الحرج في ذلك ؟!!
في الواقع بمجرد نشر المدونة على الملأ لم تعد خاصة بي .. اللهم إلا إذا كنت تقصد الأفكار التي تتخللها .. هي فعلا أفكاري ، وقناعاتي ، وتصوراتي .
 
4 - هل تسببت المدونة في تغير إيجابي لأفكارك ؟ اعط مثالا ؟
في الحقيقة لا استطيع أن أعطي إجابة بنعم أو لا  فعهدي بالتدوين حديث جدا ، وربما من يعرفني قبل التدوين ، وبعد التدوين هو الذي يستطيع الإجابة عن هذا السؤال.
 
5 - هل تكتفي بفتح صفحات من يعقبون بردود في مدونتك فقط أو تسعى لإكتشاف المزيد ؟
لا .. لا أكتفي بهؤلاء فقط بل أسعى دائما لإكتشاف المزيد ، فعالم التدوين أصبح مصدرا مهما من مصادر المعرفة ، والإستزادة من تجارب الآخرين ، إضافة لكونه أصبح نافذة مهمة للتفاعل مع قضايا الأمة .
 
6 - ماذا يعني لك عداد الزوار ؟ هل تهتم بوضعه في مدونتك ؟
عداد الزوار لم ولن أضعه في مدونتي .. ولكنني في نفس الوقت أحب أن يطلع الناس جميعا على ما أكتب ، لأن زيارة المهتمين لمدونتي قد أستفيد منها في شيئين : فإما أن يستفيدوا هم مما كتبت وتلك فائدة عظيمة لي .. وإما أن يروا فيها ما يستحق التصويب ، فيصوبوا ، ويصححوا ما بدا لهم من نقص ، أو إعوجاج ، وهذا أيضا مكسب ، ومغنم أعتز به ، أضيفه إلى رصيدي المعرفي المتواضع .
 
7 - هل حاولت تخيل شكل أصدقاءك المدونيين ؟
في الحقيقة أنا لست واسع الخيال ، وأصدقائي المدونيين من كل بقاع العالم ، ومن كل الأجناس ، والأقوام ، والألوان ، وبالتالي الإنهماك في تصور اشكالهم قد يستغرق وقتا طويلا ربما لا املكه الآن !!! وعموما الذي يشدني إليهم هي أفكارهم ، وقيمهم ، ومعتقداتهم ، وما يجمعني بهم من مشترك حضاري ... وثقافي ،  أما الصور والأشكال فلا أظن أن لها أهمية ذات بال في علاقاتي ، أو علائقي ،  بالآخر أيا كان .
 
8 - هل ترى فائدة حقيقية للتدوين؟
بالطبع نعــــم ... فالتدوين في عصرنا أصبح من أهم جسور، ووسائل التواصل ، والتعارف ، وتبادل المعلومات ، والمعارف ، وتجاوزالحدود ، والمسافات ، إنه ببساطة ،  بساطنا السحري الذي يوصل أفكارنا حيث لا تستطيع أن تصل أجسامنا ..
إنه نعمة لم تتوفر لمن سبقونا
وربما تحسدنا عليه الأجيال الغابرة ... أليس كذلك ؟!!!
 
9 - هل تشعر أن مجتمع التدوين مجتمع منفصل عن العالم المحيط بك ؟ أم متفاعل مع أحداثه ؟
يبدو لي أن مجتمع التدوين متباين .. ولا يوجد مجتمع تدويني موحد .. فهناك المدونيين المهتمين بالشأن العام  وهؤلاء متفاعلين إيجابيا مع ما يجري حولهم من أحداث ،وقضايا  المجتمعات التي ينتمون إليها ، وربما يكون لهم تأثير ملموس على المدى القريب ، والمتوسط في أغلب القضايا الجماهيرية التي تجري في مواطنهم .. وهناك مدونيين ربما جعلهم التدوين ، والإستغراق المرضي بشبكة الأنترنت ، أكثر فردانية - إن صح هذا التعبير - وأكثر انغلاقا حول الذات ، والغريزة ، والأنا .
 
10 - هل يزعجك وجود نقد بمدونتك ؟ أم تشعر أنه ظاهرة صحية ؟
في الحقيقة النقد البناء بالنسبة لي هدية رائعة أشكر مهديها ، ودرس أستفيد منه ، وأعتز بالمتفضل به .. أما التجريح .. والتجريم .. والتكفير.. والتشنيع ، فهذه أساليب ليست حضارية ، وليست من شيم حضارتنا فلا أقبلها من أحد ..
والنقد الموضوعي - عموما - في حقيقته ظاهرة صحية ، بل وضرورية ، ولا يستغني عنها الفرد ولا الجماعة .. وإذا أختفت من أي مجتمع يحل محلها تلقائيا التزلف.. والنفاق .. والخداع .. الكذب .
 
11 - هل تتحاشى المدونات السياسية ؟ وهل صدمك اعتقال بعض المدونيين ؟
بالعكس المدونات السياسية هي خبزي اليومي .. وأوكسيجيني الذي  أتنفسه إذا عسعس الليل ، أو تنفس الصبح .. أوَ ليست هي المعنية بالشأن العام ؟ ...
وقد قال رسولنا الكريم - صلوات الله وسلامه عليه - : ( ومن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم ) ، وهي ملح الشبكة الذي لا  غنى عنه ..
أما اعتقال بعض المدونيين ، الذين عبروا عن آرائهم السياسية في ظل أنظمة لا تؤمن بحرية الفرد ، وحقه في الجهر بما يؤمن به ، هو أمر متوقع ، وعلى عشاق الحرية أن يدركوا أنه لا بد من التضحية لكي نصل إلى ما نريد ؛ من حرية ، وعدالة ، ومساواة ، وديمقراطية ، أو شورى ... وعليه فالإعتقال لم يصدمني لأنني كنت أتوقعه .. في ظل أنظمة القمع ، والظلم ، والفساد ،  التي تتربع على كراسي الحكم في كل البلاد العربية والإسلامية .. وكان على المدونيين أن يضعوا ذلك  في حسبانهم ، فأنظمتنا للأسف كأنها ليست منا فهي أرحم بالعدو الحقيقي من مواطنيها .
 
12 - هل فكرت في مصير مدونتك في حال وفاتك ؟
بصراحة قبل سؤالكم لا لم أفكر فيه .. !!!
ولكن حتما مصيرها سيكون مثل مصير كل الأشياء التي أعتز بها والتي  لن ترحل معي إلى مثواي .. والمهم عندي أن لا أترك فيها ما يضر الناس أو يخالف قناعاتي ، ومعتقدي ، وديني .. وأسأل المولى - عز وجل - أن تكون في ميزان حسناتي .
 
13 - من أكثر المدونيين تأثيرا فيك ؟ ولماذا ؟
لا أكتمكم القول ... كل المدونيين الذين زرت مدوناتهم ، وناقشتهم أو ناقشوني ، استفدت منهم ، وتعلمت منهم ما لم أكن أعلم ، ولكن بدرجات متفاوتة - طبعا - .. ومنهم على سبيل المثال لا الحصر .. الأستاذ/ رفقي من المغرب .. والأستاذ/ حامل المسك من بلاد الشام  .. وغيرهم كثير .
 
14 - من من المدونيين تحس أنه يشبهك ؟
      لا أشبه أحـــدا .. ولا أحــد يشبهني .. ولا أحــد يشبه أحدا ..
 وهذا من جمال تصريف الخالق في ملكه ، فبرغم ما قد يتبادر لأول وهلة من تشابه ، وتماهٍ بين الأشخاص ، والصور ، إنما عند التدقيق ، والتمحيص ، تجد لكل شخص خاصية ، وميزة خصه بها خالقه ، ومبدعه .. سبحانه وتعالى عما يشركون ..
 
15 - ماذا تحب أن تسمع ؟
أحب سماع الشيخ/محمد محمود الطبلاوي .. والشيخ/محمدصديق المنشاوي ..
والشيخ/ سعد الغامدي ..
والمنشد/مشاري بن راشد ..
وكل صوت جميل ، ومبدع هو آية من آيات الله تستحق التقدير ، والتنويه .
 
16 - اكتب خمسة مدونيين بعدك ليقوموا بهذا الإستقصاء.
1-حامل المسك
2- سارة مطر
3 -  توووووف
4 - إيمان حسان
5 - مؤرخ الغد
 
آمل أن تكون إجاباتي واضحة ، ومباشرة.. وأن أكون عند حسن ظن مَنْ ظن بِي خيرا..
   
 

(12) تعليقات

تمبكتو ، وثلاثية ؛ الملح .. والذهب .. والكتاب :

مدخل  وتمهيـــــــــد :   
 
هذه المدينة  ؛ الصحراوية .. الإفريقية .. والعربية الإسلامية العتيقة .. العالمة .. المثقفة .. التي تنطق أزقتها ، وحارتها - القديمة ، المتعبة - بلسان العلم ، والمعرفة  ..
 
إنها مخزوننا المعرفي الفياض ، وذاكرتنا الحية الوقادة .. وعبق تاريخنا المجيد ...
المسكونة بمفردات التاريخ ، ونضالات الأسلاف ..
المخضبة بدماء مجاهدينا الزكية ... المتثاقلة بصحائف بطولاتهم ، وبيض وقائعهم  ..
المترنمة  بتسبيحات ، وأذكار أوليائنا ، وصالحينا ..
المتمنطقة برياضهم ، ومزاراتهم المباركة ..
 
هذه المدينة هي التي تسطيع أن تفخر - بحق - بأنها ابنة التجارة ، والثقافة بجدارة ، وأنها الثمرة الطيبة لتلاقح ثقافات أقوام ، وأثنيات تقاطرت عليها من شتى بقاع العالم ، فكانت المكون الحقيقي لنسيجها  السكاني  :  طوارق  ، وزنوج ، وعرب  ، وغيرهم ، تحت مظلة الإسلام العظيم ..
 
الأمر الذي جعلها في عصورها الذهبية تمثل النموذج الأكمل  لتعايش ، بل وانصهار مختلف الأجناس ، والأعراق ، والقوميات في بوتقة الحضارة الإسلامية في أرقى الصور ، وأجمل المعاني ، في منطقة جنوب الصحراء ، وحوض النيجر الأوسط ..
 
وكانت القنطرة ، والجسر المتين الذي عبره الإسلام إلى عمق أعماق إفريقيا ..
والمنارة الباسقة التي أضاءت أنوارها أرجاء القارة السمراء برمتها ..
 
وهي  الواحة الظليلة التي أحتضنت بين جنباتها العلماء ، والفقهاء ، وطلاب العلم ، والمعرفة ، والتجار ، والرحالة ، وعشاق استكشاف العوالم المجهولة من كل أصقاع الدنيا ؛ من الشرق ، والغرب ، ومن الشمال ، والجنوب ..
 
وظلت تمبكتو - هذه المدينة الساحرة - ولعدة قرون ، عالم إسلامي مصغر  ؛ بمعنى  أنك تجد فيها  العراقي ، والشامي ، والحجازي ، واليماني ، والمصري ، فضلا عن أهل بلاد المغرب ، كما تجد الأندلسي ، وغيرهم ، وبقي ذراريهم ، وحفدتهم هناك إلى يومنا هذا ..
 
ويمثل الآن ما أنتجته عقول هؤلاء ، وأولئك من ثمرات فكرية ، وعلمية ، وأدبية ؛ تراثا ثقافيا ، وحضاريا ثرا مازالت تزخر به مكتبات المدينة ، ومساجدها ، وزواياها العتيقة ، وهو بلا شك خير شاهد ، وأعظم برهان على الدور الإيجابي ، والبناء الذي أنجزه الأسلاف الأماجد هناك .
 
 
إن هذه المدينة - أيها القاريء الكريم - في كلمات قصيرة :
 تمثل  قصة مشوقة ، مليئة بالعبر ، والدروس ، لتجربة إنسانية مميزة في مكان مميز .. وزمن مميز ..  وبعبقٍ ، وشذاَ مميزين ..
 
 
 وعليه فلا غرابة أن تختار عاصمة للثقافة العربية الإسلامية في إفريقيا للعام ( 2006م ) ، وهو أمر ربما أثار عند الكثيرين - من القراء ، والمهتمين - التطلع لمعرفة المزيد عن تمبكتو ..
وما هي الدوافع ، والأسباب من وراء هذا الإختيار ؟!!!
 
سأحاول - بعون الله - في ثنايا هذا الحديث المقتضب عن هذه الحاضرة الإسلامية العتيقة أن أجعل القاريء الكريم يقترب من تلك الأسباب ، والدوافع من خلال رسم صورة ناطقة للمراحل التاريخية التي مرت بها المدينة ؛ سياسيا ، واقتصاديا ، وثقافيا ...
 
تعاقب الدول على بسط سلطانها على تمبكتو :
 
فتمبكتو - أيها القاريء الكريم - تأسست كمشتى ، ومصيف لقبيلة ( إمقشرن ) الطارقية في القرن الخامس الهجري .. الحادي عشر الميلادي .
حيث كانوا يضعون رحالهم هنا في هذا الموقع ( القريب من النهر حينذاك ) طوال فصلي : الشتاء ، والصيف ، وعندما تهطل الأمطار في فصل الخريف ، وينبت العشب ، وتخضر الأرض ، وتدب الحياة في الصحراء ينطلقون بإبلهم ، ومواشيهم شمالا متتبعين للمراعي ، والكلأ ، ومساقط الأمطار في طول ، وعرض المنطقة الممتدة شمالي النهر - على شكل مخروطي - حتى نقطة التقاء الحدود الجزائرية ، الموريتانية ، والمعروفة محليا بإقليم : ( أزواد ) ثم لا يلبثون إلا أشهرا  قليلة : ثلاثة أو أربعة - على أكثر تقدير - في هذه الدورة ، ويعودون أدراجهم بعد أن تغور الغدران ، ويجف العشب ، وتشح المياه في تلك المضارب ، والمراتع ، فيعودون من حيث انطلقوا أول مرة ويحطون عصا الترحال ثانية على ضفاف النهر المبارك ( نهر النيجر ) حيث تركوا أمتعتهم أولا في مستودعات من القش ، وأغصان الأشجار ... وهكذا دواليك .
 
 وبمرور الوقت ، واستمرار الحركة على هذا المنوال ، وازدياد رواد المكان ، تطور المكان ( المستودع ) إلى قرية ، ومدشر ، فيه القار ، والظاعن ، ثم إلى ملتقى ، وسوق للتبادل بين ( السراح ، والزراع ) أي الرعاة ؛ أصحاب المواشي ، والأبقار ، والأغنام ، والإبل ، والقوافل السيارة ( المقطر/ أو أكبار ، أو أزلاي ) - تسميات محلية لقافلة الملح - وما تحمله من سلع وبضائع الشمال ( ملح أو أقمشة ، أو حرير ، وغيرها ) ، والزراع ؛ وهم أصحاب فلاحة الأرض وما تجود به من خيراتها ، ومعادنها النفيسة : ( ذهب والألماس ونحاس ) ومنتج الكولا وعاج الفيل ، وريش النعام .. الخ ..
 
كانت هذه هي البداية الحقيقة لهذه المدينة العظيمة : تمبكتو ...
وإذا كانت بعض المدن ، والجهات قد تصاب ( بلعنة المكان ) أو الجغرافيا ، فإن بعضها - أيضا - قد يحظى ، ويفوز ( ببركة المكان ) كما هو حال هذه المدينة ...
 
اقرأ ماذا يقول عن نشأتها - ابنها البار - " عبد الرحمن السعدي " في كتابه القيم ( تاريخ السودان ) : " هذه البلدة الطيبة .. الطاهرة .. الزكية .. الفاخرة ذات بركة .. ونجعة.. وحركة ( ... ) ما دنستها عبادة الأوثان .. ولا سجد على أديمها قط لغير الرحمن .. مأوى العلماء ..   والعابدين .. ومألف الأولياء .. والزاهدين .. وملتقى الفلك السيار .. "
وأهل المدينة ومنهم مؤرخها الشهير " محمود كعت " - صاحب كتاب : تاريخ الفتاش - يعتبرون هذه الميزات - التي ذكرها السعدي - من أسباب نهضتها .. وازدهارها .. ونموها المطرد ، وحصن حصين لها يحفظها من الأعداء ، وأصحاب الأطماع السياسية المتربصين بها دائما في كل وقت وحين ، ويتحينون الفرص للانقضاض ، واحكام السيطرة عليها ، والإستحواذ على ما تزخر به من خيرات ، وكنوز ، وأموال ، وثروات يسيل لها لعاب الكثيرين ...
 
ويرجع كعت - أفضليتها كذلك - إلى تغلغل الإسلام في مختلف أوجه الحياة فيها ، وكثرة العلماء ، والأولياء الذين تضمهم جنباتها ، فتكاد لا تخلو ضاحية من ضواحيها ؛ من زاوية ، أو ضريح لعالم ، أو ولي مشهور ، يشار له بالبنان ، الأمر الذي جعلها تفضل سائر المدن ، والأسواق التجارية في السودان ، وبلاد المغرب ...
 
هذا وبعد أن ذاع صيت المدينة ، وبغلت شهرتها الآفاق ، بسبب ما تناقله الركبان إلى كل الأرجاء عن ازدهارها التجاري ، وما يعرض في أسواقها من معدن الذهب النفيس ، وما اشتهر في الغرب عن جودة ذهبها ، والأرباح الطائلة التي يجنيها التجار من بلاد المغرب المترددين عليها ، وربما للدور الريادي الذي اطلعت به في نشر الإسلام في النطاق الإفريقي جنوبي الصحراء ، كل هذا مجتمعا جعل القادة الدينيين ، وأصحاب الحكم ، وكذلك الفئة الباحثة عن جمع الثروات ، وجني الأرباح في الغرب  جعلهم يوجهون الإهتمام إلى هذه المنطقة ، ويشجعون ،  المستكشفين ، والمغامرين إلى الإتجاه صوب هذه النقطة الجاذبة ، المشعة ، المتوهجة ، في أقصى بلاد المسلمين .
 
 ومن المعلوم - آنذاك -  أن الغرب كان يستكشف لكي يستحوذ ، ويبتلع ما استكشفه - إن كان يستحق الإبتلاع -  وهنا طورت الفكرة حتى يضفى عليها طابع السمو ، فتصبح كأنها هدف نبيل غايته ومبتغاه البحث ، والإستكشاف العلمي البحت ، ووظفت الجمعيات الجغرافية ، والشبان ، بل والباحثين الكبار المتحمسين ، والباحثين عن سبق علمي ما ، وظفوا ، ودعموا دعما سخيا لتحقيق الأهداف ، والمآرب  البعيدة للساسة وغيرهم من النخب ذوي  التوجهات  الإستعمارية ، والتوسعية في العالم  ، خارج أوروبا ،  تلك القارة العجوز التي نضبت مواردها ، وشحت ثرواتها ، وضاقت بأهلها حتى أصبح همهم ، وشغلهم الشاغل هو التوسع في أرض الغير ، واغتصاب موارد ، وخيرات الغير ، وتكون رأي عام جعل الكثير من هؤلاء يتمنون، ويحلمون بالوصول إلى الأماكن ذات الشهرة ، والبعيدة عن أوروبا - نسبيا - فكانت تمبكتو من ضمن هذه الحزمة من الأهداف ، والأماكن التي صُوب نحوها السهم ، وجُيشت النفوس ، بغية الوصول إليها وفك لغزها ، وطلسمها المحير ، وقرأنا عن طائفة من الرحالة ، والمستكشفين في الغرب كان حلمهم الأكبر الوصول إلى تمبكتو ، والكتابة عنها ، وقد دفع بعضهم حياته ثمنا لهذا الحلم ، وتمكن البعض من زيارتها ، بشق الأنفس ، والكتابة عنها في القرنين 18/19 الملاديين ، كمنجو بارك .. ود/ هنري بارث .. ورينيه كاييه .. وفيلكس دي بوا .. وبول مارتي .. ( الأخيران وصلا بعد الإحتلال ) ... وغيرهم ..
 
وسنستعين ببعض ما دونوا ، ولاحظوا ، وكتبوا ، وما استطاعوا جمعه مما تفرق من تاريخ المدينة ، وأهلها في طيات ، وثنايا  هذا الحديث دون أن يكون أعتمادنا الكلي عليهم ...
 
وفي معرض تعليقه عن اختيار مدينة كبيرة عامرة في هذا المكان يقول أحدهم وهو الرحالة الفرنسي ( رينيه كاييه ) : - بعد زيارته للمدينة في القرن التاسع عشر الميلادي - مندهشا " إنني لا أعرف الدافع إلى إقامة مدينة كبيرة كهذه وسط الصحراء " ثم يستدرك فيقول : " الأمر الذي يدعو إلى الإعجاب بالجهود التي بذلها مؤسسها ...!!! "
ونحن نقول له : إذا كانت أوروبا تعتز باكتشافها للأمريكيتين ، وإقامة دنيا جديدة هناك ، وعالم جديد يقوم على إقصاء الآخر ، بل وتهميشه ، وإبادته ( ربما بمنطق التخلية قبل التحلية ) !!! فإن من حق العرب المسلمين ( العرب ، والطوارق ) - كذلك - أن يفخروا ، ويعتزوا بجهدهم المتميز في تأسيس ، وتعمير أغلب المراكز التجارية ، والثقافية في إفريقيا جنوبي الصحراء ، بل واختلاطهم ، والتحامهم الرائع ، والجميل بمن كان قبلهم من الشعوب ، والأقوام ، والقبائل ، دون إقصاء أو تهميش ، أو إبادة ... وقد رفعكم صيتها - تلك المدن التي تندهش من إقامتها - وسمعتها من أقاصي أوروبا ، وركبتم الصعاب ، والمخاطر الجمة حتى تمكنتم من رؤيتها ، والكتابة عنها ... أفلا يستحق في رأيكم هذا الإنجاز الإشادة ، والإعتبار ، والتنويه ، كعمل ، واختيار موفق ؟!!!
 
وهنا يحضرني قول منصف لأحد الباحثين المهتمين بتاريخ المنطقة : ... وكان مما يحسب لهم - العرب - ومن جرأتهم  إقدامهم على اختراق الصحراء الكبرى ، وتوغلهم في العمق الإفريقي ، وإقامتهم للمحطات التجارية لقوافلهم عند نقاط التقاء سكان الصحراء ، مع سكان مناطق السافانا ، والغابات الوعرة ..
 
ويقينا أن إيمان هؤلاء الكبير بالإسلام ، وبرسالته العظيمة ، وضرورة تبليغها - للناس كافة - كان العامل الأهم في نجاحهم الباهر في هذا الإختراق ، وهذا الإنجاز وذاك التمازج ، والإختلاط السمح ..
 
وإذا كان الكتاب الغربيون قد سعوا لزيارة المدينة ، والكتابة عنها فإن الكتاب ، والرحالة العرب كانوا السباقين إلى المنطقة و الكتابة عنها منذ وقت مبكر جدا قبل أن تتفتح عيون الغربيين على الرحلة ، والإستكشاف ، فنجد الحديث عن المنطقة ، عند  البكري ... والعمري .. وابن بطوطة .. وابن خلدون .. وحسن الوزان ( ليون الإفريقي ) وربما من خلال كتابات الأخير  عن تمبكتو سمع في الغرب عنها  أول ما سمع  ..
وكان أول من أرخ  للمدينة هو : عبد الرحمن السعدي - وهو عمدتنا في هذا الحديث - تحدث عن نشأة المدينة .. وتطورها .. والمراحل التاريخية التي مرت بها .. كما تحدث باستفاضة عن حياة الناس فيها .. وأنماط عيشهم .. والحياة الثقافية و العلمية فيها .. وذكر الدول التي حكمتها ، وبسطت سيطرتها عليها .. ومدد تلك السيطرة ، وذلك الحكم .
 
 فذكر أن الطوارق - وهم المؤسسون - قد حكموا تمبكتو حوالي أربعة عقود وكان ذلك في عهد المرابطين وقد تأسست المدينة ابتداء في زمنهم ...
ثم ذكر امبراطورية مالي الإسلامية التي حكمت المدينة زهاء قرن من الزمان ، وكان نمو المدينة العمراني بدأ في عهدهم  ، وخاصة في زمن الأمبراطور العظيم : كانكان موسى ( 1312/1337 م ) عندما مر بالمدينة في طريق عودته من رحلة الحج الشهيرة ( 1324م ) وكان مصطحبا معه المهندس ، والشاعر الأندلسي : أبو اسحاق الطويجن الساحلي ، وقد كلفه الإمبرااطور ببناء أول مسجد جامع كبير في المدينة ، بالإضافة إلى بنائه لقصر الملك فكانا ( المسجد الجامع ، والقصر ) بداية لفن معماري متميز عرف - لاحقا - بالمعمار الصحراوي السوداني الأندلسي ..
 
وإذا كان النمو العمراني للمدينة بدأ - كما أسلفنا - في عهد إمبراطورية مالي ، فإن ازدهارها التجاري ، والثقافي ، والديني ، بل وحتى اكتظاظها السكاني بلغ أوجه ، وذروته في عهد امبراطورية الصنغاي ، الذين يذكر السعدي ضمهم للمدينة لمدة مائة عام أو يزيد ...
 
 وكان من نتائج استقلال إمبراطورية الصنغاي
( 1493 / 1591 م ) تغير وجهة القوافل التجارية نحو الشرق ، بعد تحرر دولة الصنغاي  من نفوذ الماليين ، وإقامتهم لعاصمة جديدة هي مدينة : قاوه ، فتحول محور اهتمام القوافل شرقا ، الأمر الذي جعل المقيمين في ولاته - وكانت تابعة لإمبراكورية مالي - جعلهم يتحولون تدريجيا صوب جارتها الشرقية قاوه ، فكانت تمبكتو تشكل حلقة وصل ، ومحطة مهمة لابد من المرور بها بين المدينتين ( قاوه وولاته ) .
 
 ثم ما لبثت أن استقطبت النخب ، وأصحاب المال من المدينتين ، فتدفقت فيها دماء جديدة أضافت لها حراكا ، وحيوية جديدين ،  فكان ذلك بداية لتعاظم دور تمبكتو على حسابهما ، على المستويين الإقتصادي ، والثقافي ، واستقبلت في الفترة ذاتها الكثير من الشماليين من  كل الحواضر الإسلامية - تقريبا - من بلاد المغرب ، ومصر ، ومن بلاد الأندلس بعد سقوط غرناطة ،  آخر المعاقل الإسلامية هناك ، ومن بلاد الحجاز ، واتسعت رقعة المدينة بشكل ملحوظ ، وتضاعفت مساحتها ، وأعيد بناء المنازل بشكل أكثر جمالا ، وتأنقا ، ونظمت الشوارع ، والحارات ، والساحات العامة ...
 
وقد سجلت - كذلك - في هذه الفترة هجرات منظمة لشعب الصنغاي من : ( جِنًّيْ .. وهُمْبْرِي .. وقََاوَه .. وبقية المناطق المجاورة ) ربما كان ذلك بقصد إعادة التوازن إلى المدينة بين العرب ، والطوارق ، والصنغاي ، فكانت خطوة ذكية من السلطات لعلاج التركيبة السكانية المختلة لصالح أهل الشمال ، وربما حتى لا تترك فرصة لإبتعاد المدينة عن محيطها الديمغرافي القريب ....
 
 ومع ذلك ظلت اللغة العربية هي اللغة الوحيدة الجامعة بين كل الأطياف ، والعناصر ، والأثنيات ، فكانت لغة التعليم ، والعلم ، ولغة التجارة ، والإدارة ، بل والحكم ...
 
ويتطرق عبد الرحمن السعدي لسيطرة المغاربة على المدينة ، في عهد السلطان : مولاي أحمد الذهبي ، والفترة المغربية  ( 1591/1833 م ) - وهي الأطول - يمكن تقسيمها إلى  فترتين :
 الأولى : وكانت إثر الغزو مباشرة  الذي كان على رأسه : جودر باشا -المملوك الإسباني - وقد استمرت أقل من عقدين ، وانتهت بوفاة السلطان / الذهبي
( 1603 م ) ، فانشغل المغاربة بخلافاتهم الداخلية ، وانقطع الإتصال المباشر للحملة المغربية مع المخزن في مراكش .
 
 وبذلك بدأت الفترة الثانية : التي تولت فيها فرق جيش الحملة المغربية إدارة شؤون البلاد فكان الباشاوات المغاربة ( الرماة أو الرمة ) هم المباشرين للحكم ، وإن بمساعدة - أحيانا - من إدارة محلية من بقايا ابناء الملوك الصنغاي  وبعض الفاعليات الإجتماعية المؤثرة من أهل المدينة ؛ من العلماء .. والتجار .. وشيوخ القبائل.. الخ .
 
وفي القرن التاسع عشر الميلادي ( 1833م ) امتد نفوذ دولة : شيخو آمدو الفلانية - المتمركزة أساسا في منطقة : ماسينا في إقليم موبتي الحالي في وسط البلاد - امتد إلى مدينة  تمبكتو ، وفي هذه الفترة تحديدا ولد من رحم الانتماء  للطريقة القادرية البكائية الكنتية المشترك : ولد تنسيق فلاني ، كنتي ، طارقي ، للإشراف على شؤون المدينة ، وما جاورها ...
 
ويسوق الباحث الأمريكي ، المهتم بالتاريخ الثقافي ، والفكري للمدينة ؛ د/ جون هنويك ، أسباب النفوذ الكنتي في هذه اللحظة التاريخية ، فيقول : " وحينما برزت قبيلة كنته التي تدعي الأصل العربي !!! ( ... ) وأصبحت تمثل قوة قبلية ، وثقافية ، ودينية ضاربة في جل المجالات الصحراوية  ؛ من شرق منطقة القبلة ( في موريتانيا )  إلى تمبكتو ، وأخذت ( القبيلة ) تلعب دور الوسيط فيما بين ضفتي الصحراء خلال القرنين 18/19 الميلاديين ، خاصة فيما بين واحات توات - حيث منطلق الزاوية الكنتية الأول - ( في الجزائر حاليا )  ، وأزواد - في مالي - ( ... ) ويضيف : وقد تمكنت الأسرة الكنتية من لعب دور بالغ الأهمية ... إن على المستوى الديني ، أو السياسي .. "
 
ويبدو أن مدينة تمبكتو كانت الحاضنة لهذا النفوذ ، ثم مركزا أساسيا لإنطلاق الدور الكنتي في عموم الصحراء ، وبلاد السودان ، خاصة في مراحله الأخيرة قبيل الغزو الفرنسي للمنطقة ..
 
ويعطينا الكاتب الفرنسي : فيلكس دي بوا في كتابه الشيق : ( تمبكتو العجيبة ) ملامح ، وصورة أوضح عن أسباب ، وبدايات التنسيق الكنتي الفلاني ، في المدينة ، فيذكر دور الشيخ / سيد المختار الصغير الكنتي - 1773/1853 م -  ( كان الشيخ الأكبر لعموم القادرية في شمال  وغرب إفريقيا ) في التوسط بين أهل المدينة ، وملك الفلان : شيخو أحمدو وإبرام عقد صلح ، وتفاهم بين الطرفين ، على الوضعية الجديدة للمدينة، وأن ذلك كان بداية استقرار الشيخ /سيد المختار الصغير الكنتي في تمبكتو ، ومقدمة لما سيطلع به - لاحقا - من مكانة محورية في تحمل مسؤولية الشأن العام في المدينة ، ومحيطها الحيوي ...
 
ويضيف فيلكس : " وكان السلطان يأخذ رأي الشيخ في القضايا ، والمشاكل التي بين المغاربة ، والطوارق ، بل وكل المشكلات في المدينة  والمناطق البدوية المجاورة تبحث في مجلسه - زاوية الشيخ - وصار المرجع النهائي في كل قضايا المناطق المجاورة ... "
 
وسنلاحظ نمو ، واتساع هذا النفوذ في عهد الشيخ / سيد أحمد البكاي الكنتي  - عندما آلت إليه المشيخة - والذي برز نجمه وعلا شأنه في المنطقة عموما ، نظرا لما تمتع به من علم غزير ومعرفة واسعة وسعة أفق وحنكة سياسية متميزة  ودراية فائقة بالشأن العام  وعلاقات محلية ، وإقليمية ضافية ، جعلته يتخاطب مع سلاطين  وملوك حتى من خارج إقليمه  ونطاقه المحلي ، فكانت له مراسلات مع السلاطين  والعلماء في مراكش ، والولاة من أسرة أحمد القرمنللي في طرابلس الغرب ، بل وتذكر الوثائق أنه جند الجند لنجدة الأهل في الجزائر عشية الغزو الفرنسي للبلاد وكانت للشيخ ، اتصالات وسفارات متبادلة مع آل الشيخ / عثمان دان فوديو ، في إمارة المسلمين في سَكَتُو ( في نيجيريا حاليا ) واثمر ذلك تعاونا طيبا بين الأسرتين في كل إقليم السودان  وكانت للشيخ اتصالات  ومراسلات مهمة مع بريطانيا العظمى  وتبادل مع البلاط الإنجليزي الرسائل  والهدايا - رغم بعد الشقة - وكان الحلقة الأولى في هذه الإتصالات الرحالة الألماني الدكتور / هنري بارث ، الذي زار تمبكتو ، منتحلا صفة شريف من أهل الشام  ( 1853 م ) ، فحماه الشيخ البكاي ، ودافع عنه بجرأة ، وبسالة ، أمام سلطات حلفائه الفلان الذين أرادوا الفتك بالرحالة ...
 
 وقد رد الوزير البريطاني ( كلارندون ) على الشيخ / البكاي ، بأمر من الملكة فيكتوريا ، بردود منها ؛ قول الوزير : إن الرسالة التي أرسلتها وصلتنا ( ... ) وفهمنا ما فيها  وإنه لسرور عظيم لنا  ( ... ) إن ما نريده هو أن تفتح عيون العرب في الجنوب لإقامة تجارة بيننا  ونحن نقدر ذلك تماما ، ونقدر نظرتك لمهمتنا بكل سرور ، ونقبل  هذه الصداقة ( ... ) وأن كل ما يطلبه العرب سوف نلبه دون زيادة أو نقصان ( ... ) ونظرا لأن حكومتنا قوية فسوف نحمي شعبك إذا استعانوا بنا ".
 
وكانت تدار هذا الإتصالات بين الشيخ ، والإنجليز من الممثلية البريطانية في طرابلس الغرب ، والتي كانت بطريقة أو أخرى على علاقة تبعية ، أو تنسيق مع السلطان العثماني في اسطنبول ، ويبدو أن السلطات في طرابلس ، وكذلك الباب العالي على دراية تامة بما يجري بين الشيخ الكنتي ، والإنجليز ، بل وتبين الوثائق التي بحوزتنا عن هذه الفترة أنهما سعتا - طرابلس واسطنبول - لتسهيل ومباركة هذه الإتصالات ، وكانتا راضيتين عنها ، وتشجعانها ، إما من باب النكاية بالنفوذ الفرنسي الزاحف ، والسعي لإعاقة تقدمه المتوقع باستخدام الإنجليز لصده بترغيبهم بمكاسب موعودة في المنطقة ، وإما للتحرش بالوجود المغربي المتقادم والقضاء على بقية الولاء الروحي المتبقي له في النفوس ، والأفئدة  وربما كان ذلك على خلفية الصراع القديم ، الجديد على النفوذ بين المغاربة والعثمانيين في منطقة المغرب العربي ،  ومجالها الحيوي .
 
ومن قراءة الوثائق التاريخية للفترة يلاحظ أن خشية الشيخ / أحمد البكاي ، تمحورت حول خطر زحف النفوذ الفرنسي ، الذي بدأ يضيق الخناق على المنطقة منذ فترة تمهيدا  لغزوها ، واحتلالها ، فمن الشمال أحتلت الجزائر ( 1830 م ) ومن الجنوب ، والجنوب الغربي الإحتلال الفرنسي يستوطن في السنيغال ، ويمتد نفوذه إلى الإمارات الحسانية العربية على ضفاف نهر السنيغال ، وشواطيئ الأطلسي ، فاستشف الشيخ من مجمل هذه الأوضاع ، ومن نقاشاته ، ومحاوراته الطويلة مع د/ هنري بارث احتدام الصراع على المنطقة بين الإنجليز والفرنسييين ، فأراد أن يستفيد من هذا التقاطع بين الطرفين ، لحماية منطقته من الخطر الفرنسي القريب ، والداهم ، وأما الإنجليز فلم يكن منهم خوف - في رأيه - فهم بعيدون نسبيا ، ولا يخشى من أطماعهم  وربما بسبب علاقاتهم الودية في ذلك الوقت مع السلطنة العثمانية ، والباب العالي ، وموقفه مصدر إطمئنان - أقصد موقف الباب العالي - بالنسبة للشيخ / أحمد البكاي ، فهو مقر الخلافة الإسلامية الجامعة ، والسلطان العثماني - حينذاك - هو خليفة المسلمين .
 
إلا أن ظروفا دولية  وإقليمية ، ومحلية  طرأت  وغيرت بعض التحالفات ، الأمر الذي منع جهود الشيخ مع الإنجليز أن تؤتي ثمارها  وبالتالي لم يتدخل الإنجليز - حسب وعدهم -  في الوقت المناسب لوقف الزحف الفرنسي على المنطقة ، وابتلاعها .
 
هذا وظلت السيطرة المشتركة للفلان وكنته قائمة على المدينة حتى انتزعها من بين أيديهم الغزاة الفرنسيين ، برغم الهزة العنيفة التي تعرضوا لها إبان محاولة الحاج/عمر تال الفوتي اجتياح المنطقة ، وقد نهض الجميع  -  فلان .. وكنته .. وطوارق -  نهضة الرجل الواحد لصده  ودحر اجتياحه  للمنطقة .
 فبعد معارك طاحنة  وبعد كثير من الكر  والفر من الطرفين  وخسائر فادحة في كلا الجانبين ، تمت محاصرة جيش الفوتا  وقائدهم في مدينة حمد الله  وقضي عليه في إحدى المغارات في تلك المنطقة .
 
والمؤسف - حقا - هو أن هذه المعارك  وهذا الصراع كبد المنطقة خسائر كبيرة في الأرواح  وهزحركة الإقتصاد والتجارة في المدينة ، بل وحتى على مستوى العلاقات بين الأثنيات المكونة للنسيج السكاني للمنطقة فقد خلق شرخا  وانقساما طائفيا أو قل ( طُرقيا ) حادا  وغير مسبوق في البلاد بين القادريين أهل المنطقة الأوائل  والتجانيين الذين قدموا في معية الحاج /عمرتال الفوتي لبسط سيطرتهم على المنطقة .
 
 ويذهب الكثير من الباحثين إلى أن هذا الصراع  غير المبرر بين الطريقيتين  كان من الأسباب التي ساهمت في إضعاف البلاد  وسهلت للغزاة الفرنسيين مهمتهم في احتلال المنطقة برمتها  وبسط سيطرتهم على كامل الإقليم  : الصحراوي  السوداني في العقد الأخير من القرن التاسع عشر الميلادي .
 
تمبكتو مدينة ؛ التجارة .. والثقافة : 
كانت التجارة  وتبادل السلع بين ضفتي الصحراء الكبرى منذ عصور موغلة في القدم ، ذكرها المؤرخ الإغريقي الشهير : هيرودوت  وسماها " التجارة الصامتة " بسبب عدم وجود لغة مشتركة بين طرفيْ عملية التبادل  ؛ فكان تجار الشمال يضعون ما يحملون من سلع ( ملح وغيره ) في مكان متعارف عليه ، ثم يبتعدون قليلا عن المكان ، فيأتي الأهالي من الجنوب  ويضعون هم أيضا ما يرون أنه مقابل ( ثمن ) سلعة أهل الشمال ( من الذهب أو العاج أو غير ذلك ) ، ثم يبتعدون قليلا حتى يعطوا فرصة لتجار الشمال أن يقرروا إن كان الثمن يناسب بضاعتهم ، فيعود الشماليون إلى المكان ، ويأخذون ما يرون أنه  يقابل سلعتهم ، ثم ينصرفون من حيث  جاؤا دون تحاور مباشر بين المتبايعيين  ولهذا عرفت هذه الصورة من التبادل التجاري السلمي عند المؤرخين : " بالتجارة الصامتة " .
 
وقد استمرت هذه الصورة لأزمنة متعاقبة  ولم يعثر حتى الآن على تاريخ محدد  وأكيد لتطور هذه العملية إلى استخدام اللغة بين المتبادلين ، إلا أن الثابت بالدليل أن التبادل التجاري بين ضفتيْ الصحراء شهد تطورا سريعا ، ومطردا بعد دخول الإسلام مباشرة إلى منطقة شمال إفريقيا في القرن الهجري الأول .
 
 
وفي تمبكتو خاصة لأن مؤسسيها مسلمين  وكان ذلك في ظل دولة كان شعارها هوأسلمة المجتمع  والحكم بتعاليم الإسلام  هي : الدولة المرابطية .
 
فقد ترافقت فيها الحركة التجارية مع حركة التعليم والدعوة منذ الوهلة الأولى  ومعلوم أن تجار القوافل الذين ارتادوا المنطقة حينها كانوا  تجارا ودعاة في غالبيتهم العظمى ، فكان ذلك التكامل الجميل بين الدعوة للرسالة السامية  والسعي  والكدح لكسب الرزق الطيب  والربح الحلال ، الأمر الذي أثمر نهضة متزامنة في المدينة كان جناحاها الإزدهار الإقتصادي ، والنهوض الثقافي والعلمي ، حتى أصبحت تمبكتوفي فترة قياسية وجيزة مقصدا للتجار  ورجال المال  وفي نفس ا لوقت صارت قبلة للعلماء وطلبة العلم  والمعرفة .
 
 ونافس الكتاب في سوقها  الذهب  والملح ، بل تجاوزهما في بعض الأحيان  ويذكر حسن الوزان - الذي زار المدينة مرتين موفدا في سفارة من   المخزن - يذكر في كتابه ( وصف إفريقيا ) أن الكتاب في تمبكتو أصبح يساوي وزنه ذهبا ، وهو أمر غير مسبوق في كل الحواضر الإسلامية حينذاك .
 
وإذا كانت  أثمن  وأغلى سلعة في سوق المدينة عند تجار القوافل من الشمال هي : الذهب التبر  والألماس ..  وأثمن وأعز سلعة عند أهل الجنوب هي : ملح الطعام ، فإن أفضل  وأثمن وأغلى سلعة عند أهل تمبكتو هي : الكتاب وهذه - لعمري - مفارقة عجيبة  وظاهرة فريدة تستحق الدراسة  والتحليل .
 ومن أبسط الشواهد التي بين أيدينا الآن على صحة هذا الزعم هو : هذا الكم الهائل من المخطوطات العربية الموجود في مكتبات المدينة  والذي  تقدره بعض المصادر بما يفوق مليوني مخطوط 
( 2000000 )  وهورقم متميز بكل المقاييس إذا ما قرن بالمجود في بقية مدن  وحواضر المنطقة .
 
 
  مؤثرات الحضارة العربية في المدينة :
 
 مثلت الهجرات القبلية أهم الروافد التي أثْرت العلاقات بين حوض نهر النيجر ، والمغرب العربي ، فمنذ الفتح الإسلامي لشمال إفريقيا شكل الفضاء الجغرافي الممتد من نهر السنيغال ، وثنية نهر النيجر ( حيث تقع : تمبكتو ، وقاوه ، وجنيْ ) إلى بلاد الأندلس ، شكل هذا الفضاء مجالا سهلا لحركة القبائل الصنهاجية ، والعربية ، والتجار الدعاة الذين ارتادوا مدن ، وأسواق هذه المنطقة في وقت مبكر جدا ، من  تاريخ الإسلام في هذا الحيز .
ويسوق بعض الباحثين للتدليل على هذا التلاقي ، والإتصال المبكر ، والإنتقال السريع للبشر ، والأفكار ، إلى منطقة حوض النيجر ، شواهد قبور قاوه الرخامية ، التي صنعت في أغلبها في مدينة ( المرية ) الأندلسية ، ثم عبرت المتوسط  والصحراء الكبرى إلى أن وصلت إلى مدينة قاوه ، عاصمة امبراطورية الصنغاي .
 
إلا أن الدور الأهم في نقل المؤثرات ، وتنشيط  الحركة بين المنطقة الشمال ، هو ذلك الذي لعبته القبائل العربية ، والطارقية ، القاطنة في أطراف الصحراء ، وتمثل في تنظيم ، وحماية القوافل التجارية العابرة للصحراء جنوبا .
 
ويسجل تاريخيا للأسكيا الحاج / محمد الكبير توري - امبراطور الصنغاي العادل - أنه استطاع بحنكته السياسية الفذة ، وعدله المشهود ، استطاع  كسب قبائل الطوارق في المنطقة ، وجعلهم طوع أمره ، فاستعان بهم في بسط الأمن في منطقة امتداد فوذ امبراطوريته في الصحراء الكبرى ، فأمن بذلك  السبل ، والطرق المؤدية إلى أسواق امبراطوريته ، مما زاد في تدفق القوافل التجارية من الشمال إلى هذه المدن ، والأسواق .
 
 هذا بلإضافة إلى اهتمام الأسكيا/ محمد بتنظيم الأسواق ، وتكليف مشرفين بشأنها ، وادخاله لنظام الحسبة المعمول به في أسواق الحواضر الإسلامية الكبرى ، فكان هناك إشراف ، ومتابعة ، للموازين ، والمكاييل في السوق  ووضع عقوبات صارمة على من يضبط  مخلا  بها ، أو يتلاعب بالأسعار  أو يحتكر سلعة ما ، أو يخرج عن المعمول به  والمتعارف عليه في أسواق الإمبراطورية  وبالتالي شهد عهد الأسكيا / محمد حراكا تجاريا ، وازدهارا اقتصاديا مميزا .
 
 وتذهب المصادر أيضا إلى أن النهضة العلمية ، والثقافية التي برزت في الإمبراطورية في عهد الأسكيا / محمد لم تكن مسبوقة ، فبعد التحرير  والتوسع الكبير لرقعة الإمبراطورية في زمن أسلافه  وبعد رحلة الحج الشهيرة التي قام بها ( 1497 م )  واحتكاكه بالنظم الحاكمة في المشرق ؛ من مماليك  وأتراك  وأشراف في الحجاز  ومجالسته للنخب من العلماء  والتجار  وما ذكرته بعض المصادر من :  أن الخليفة العباسي في القاهرة بارك الأسكيا  وزكاه لحكم بلاد السودان  وأنه اجتمع بالإمام / جلال الدين السيوطي ، ونصح له ، وباركه .
 
 بعد كل هذا نلاحظ أن الأسكيا / محمد الكبير توري ، اتجه نحو أسلمة دولته في كل نظمها ، وتشريعاتها  واحكامها  وثقافتها ، فكان متأثرا كل التأثر بما شاهد  وعاين في بلاد المشرق  وسعى جاهدا أن  ينقل إلى بلاده هذه المحصلة الثرية من التراكمات الحضارية  والثقافية  العريقة  ولا شك أن الأسكيا أحضر معه بعض المشايخ ، والدعاة ، بل والتجار كذلك كما فعل قبله الإمبراطور كانكان موسى ، بعد عودته من الحج  وفي هذه الفترة زار الشيخ الإمام / سيدي محمد بن عبد الكريم المغيلي ، زار عاصمة الأسكيات : قاوه  واستقبله الأسكيا / محمد استقبالا حارا في القصر  وقربه إليه  وكان يستفتيه  ويسأله في كثير من الأمور الشرعية ذات الصلة بحياة الرعية ، وشؤونهم ، وهي أسألة  وأجوبة مشهورة في ثقافة المنطقة.
 
وقد شهدت المنطقة في هذه الحقبة تدفقا كثيفا للجاليات القادمة من بلاد المغرب  ومصر  والحجاز  وبلاد الأندلس ، ربما بسبب مابلغهم من احتفاء الأسكيا بهم  وعنايته بعلمائهم ، وتجارهم  وربما بسبب الرخاء الإقتصادي والأمن والإستقرار السائدين في المنطقة أو لهذه الأسباب مجتمعة وهي بلا شك أسباب مغرية وجاذبة بطبيعتها ويبدو أنها كانت شبه معدومة في الجوار ومنطلق هؤلاءالوافدين  !!!
 
 فكان كل ما تقدم ، مقدمة طبيعية لنهضة ثقافية علمية، ازدهرت في بلاد الصنغاي  واحتضنتها مدينة تمبكتو  واستفادت منها أكثر من بقية مدن الإمبراطورية ، ربما بسبب تمركز الهجرات من الشمال فيها ، حيث كانت المجموعة العربية في المدينة من أهم العناصر التي ساهمت في نهضتها  ورقيها ، وكان العرب  يشكلون الجزء الأكبر من تجار المدينة ، كما كانوا أغنى العناصر المشكلة للخريطة السكانية للمدينة  وهنا يقرر أحد الباحثين الغربيين دور الشمال في نمو  وتطور تمبكتو فيقول : " إذا أردنا أن نعرف أصل مدينة تمبكتو فيجب أن نبحث في اتجاه آخر لأن ماضيها ارتبط بالحضارة العربية في شمال إفريقيا .. " .
 
وفي سياق الحديث عن أهمية المدينة كملتقى للتبادل التجاري بين سكان ضفتيْ الصحراء يقول فيلكس : " تعد تمبكتو مكان التقاء لكل الذين يسافرون بالقوافل  أو القوارب .. " هذا صحيح فهي محطة رئيسية للقوافل القادمة من الشمال ؛ توات  .. وبلاد تلمسان  .. ومنطقة الجريد في تونس  .. وغدامس  وطرابلس الغرب ..  وفاس  .. ومراكش ..   وسجلماسة  .. وتافيلالت  .. وبلاد السوس .. الخ .
 
وهي ميناء  ومرسى للقوارب النهرية القادمة من أعالي روافد نهر النيجر  وكل المنطقة الجنوبية  وقد ساعد موقعها المميز أصحاب  القوارب في الوصول إليها ، حيث تقع عند مخارج فروع الروافد عند نقطة ينثني فيها النهر بشدة من المجرى الغربي إلى الشرقي ، مشكلا ثنية أو إنحناءة جميلة ؛ على شكل ذروة سنام الجمل  وهنا يسهل الإلتقاء بين الشمال  والجنوب  والمدينة  هي أول مكان آمن تتوفر فيه المياه  والظل والطعام ، يستقبل أصحاب القوافل القادمين من الشمال ، بعد رحلة شاقة  ومضنية،استمرت لأربعين يوما  أو لشهور بالنسبة للقادمين من مدن الشمال البعيدة  وهي كذلك آخر نقطة يمكن أن يصل إليها أصحاب القوارب النهرية القادمين من الجنوب  والذين يبذلون الجهد الجهيد لإيصال منتجاتهم  وسلعهم  في الوقت المناسب إلى المستهلك المأمول في   أسواق المدينة.
 
 
القافلة ؛ شريان المدينة الحي :
  
ربما يكون من المناسب هنا ذكر لمحة عن تجارة القوافل القادمة من الشمال إلى حاضرة تمبكتو .
 كانت قافلة الملح هي أقدم آلية تربط  بين ضفتي الصحراء  ولا زالت إلى  يومنا هذا تتحرك جيئة  وذهابا بين حواف الصحراء ، من الشمال حيث المعدن المبارك - الملح - إلى الجنوب وضفاف النهر حيث تمبكتو ، التي يحلو لبعض الغربيين بتسميتها : بفلورنسا الصحراء ..
 
ومنذ القرن الخامس عشر الميلادي ( 15 م ) كان لقبيلة البرابيش العربية دورا مهما في تنمية ، واستمرار حركة قافلة الملح  بين تاودني   وتمبكتو .
 
 ودعونا نتناول ذلك في شقين اثنين ؛ في البداية  : كانت القوافل تأتي أساسا من المدن والحواضر الواقعة في الشمال وكانت تحمل نصف حمولتها تقريبا من النقاط التي تنطلق منها عند بداية الرحلة وتتركز في مجملها في ؛ المنسوجات القطنية والحرير والألبسة الجاهزة والمصنوعات الفضية والنحاسية والأسلحة ؛ سيوف ورماح ودرق ومصنوعات جلدية مختلفة ومختلف أنواع الأثاث المنزلي ؛ كالحنبل والدوكالي  والقطيف والقرض وكلها تسميات لمصنوعات من وبر الإبل وشعر الأغنام وغيرها وهي معروفة في المنطقة ومن تلك السلع الخيل المسومة واسرجتها ، فقد كانت الحرائر منها مطلوبة عند الملوك وأهل اليسار في البلاد والورق والكتب - لاحقا - بل وكل بضائع وسلع حوض المتوسط  ثم تكمل القافلة بقية حمولتها من ( ملح الطعام ) عند مرورها بنقاط استخراجه في منتصف الطريق ، إما من موقع : تغازى أو من موقع : تاودني - ويقع كلا المنجمين الآن في أقصى شمال جمهورية مالي - وبعد حمل ما أمكن  حمله من الملح تتجه القافلة إلى الهدف المنشود : تمبكتو .
 
كان هذا قبل أن تكبر تمبكتو وتتسع ثم بعد ما نمت المدينة وكبرت وكثر سكانها واستوطنها الكثير من تجار الشمال فقد أصبحت قوافل الملح ( أزلايْ ) تنطلق من تمبكتو نفسها وتضم مجموعات مختلفة ، يشكل البرابيش والرقاقدة والهمال وكلنتصر أغلبهم  وأخرى تنطلق من منطقة آضغاغ وتضم إفوغاس  وكنته وغيرهم وتتجه إلى مواقع استخراج الملح المذكورة والعودة به تمهيدا لتسويقه جنوبا وكان ذلك أمرا متكررا ومعتادا طوال العام .
 
وتتكون القافلة عادة من أعداد كبيرة من الجمال تتراوح ما بين ( 600/1000 ) ستمائة إلى ألف جمل ، يقودهم ويشرف عليهم عدد من الرجال الأشداء يتراوحون ما بين ( 300/500 ) ثلاثمائة إلى خمسمائة رجل .
هذه هي الرحلات الرئيسية في العام ومواقيتها كاتالي :
واحدة في الفترة ما بين ديسمبر إلى يناير ورحلة أخرى تكون ما بين يوليو إلى أغسطس .
أما القوافل الصغيرة فإنهاتتحرك في بقية شهور السنة ولكن أعدادها أقل بكثير ولا تتجاوز في الغالب ( 60/ 100 ) من ستين إلى مائة جمل لا أكثر .
 
فما هي أهمية الملح وكيف يستخرج  ؟  :
 
 تعتبر منطقة تاودنِي التي يستخرج منها الملح ، من أكثر مناطق العالم جفافا وتصحرا ، فلا أشجار ولا نباتات ولا زرع ولا ضرع هناك والمياه القليلة المتوفرة في المنطقة غير صالحة للشرب ، بسبب ملوحتها الزائدة وأقرب منهل توجد به مياه عذبة يبعد عن تَاوْدَنِي حوالي ستين كيلو مترا ( 60 ) أو يزيد ، ما يعادل مسيرة يوم ، ونصف اليوم للجمل .
والملح هذه السلعة التي كانت عند الكثير من الشعوب تصل إلى مرتبة التقديس له أهمية كبرى في ثقافات الكثير من شعوب العالم القديم ، فنجده  في الثقافة اليونانية سلعة مقدسة ومباركة ، ويذهب بعض الباحثين إلى أن مسمى الملح نفسه كان يعني في لغتهم الحكمة : " sel de la sagess " .
 وكذلك كان الملح عند شعوب شمال إفريقيا وجنوب الصحراء سلعة مميزة ولها المرتبة الأولى في الأهمية بين سائر السلع ، منذ فجر التاريخ .
أما كيف يستخرج ملح تاودني ، فيستخرج من تحت طبقة رملية ( سبخة ) يزيد عمقها أو ينقص حسب استنزاف المعدن من المكان ، ففي البداية قد تجده على عمق بضع سنتمترات ، ثم يزيد العمق إلى أن يصل إلى طول قامة الرجل الفارع الطول وعندما يصل العمال إلى الملح نفسه  يجدونه على شكل طبقة ممتدة إلى مساحة كبيرة - أحيانا - ثم يقطعونه إلى كتل   وألواح بطول ( 90/95 ) سنتمترات في سبع بوصات ( 90/95س ) أو ( 33 ) ثلاثة وثلاثين سنتمتر في ثلاث بوصات .
وعندما يستخرج الملح في أول أمره يكون رطبا لزجا   ويقطع على أشكال تشبه أعمدة الرخام الأبيض    وبالإمكان الكتابة عليه في الحين فالبعض يكتب عليه علامته التجارية المميزة والبعض يكتب عليه العلامة   أو الوسم الذي تضعه قبيلته على حيواناتها   ومواشيها .
 
وحمولة الجمل العادي من هذه الألواح تكون من أربعة إلى ستة ألواح من الملح 4/6 ولا تزيد .
 
ويذكر الرحالة ابن بطوطة  ( زارالمدينة  1353 م )  : أن حمولة البعير الواحد من الملح في مالي يصل ثمنها إلى عشرة مثاقيل من الذهب ( 10 )  وقد تتجاوز ذلك بكثير في المناطق الداخلية البعيدة حيث تصل إلى أربعين مثقالا من الذهب الخالص ( 40 )   وظلت اسعار الملح تترتفع في مالي إلى أن وصلت في القرن السادس عشر الميلادي ( 16 م ) إبان زيارة حسن الوزان للمنطقة وصل ثمن حمل البعير من الملح إلى ثمانين مثقالا من الذهب ( 80 ) .
 
وهذا يدلنا على الطلب الكبير على سلعة الملح كلما توغلنا جنوبا .
ويمكن أن نجمل أسباب ارتفاع ثمن هذه السلعة في الجنوب إلى الأسباب التالية :
منها بعد أماكن استخراجه من المناطق الداخلية البعيدة فالمسافة تزيد على ألف وسبعمائة كيلو مترا ( 1700 ك م ) ثم المشقة الكبيرة التي يتجرعها مستخرجي الملح ، إضافة إلى مخاطر الطريق ، ثم حاجة أهل الجنوب الماسة والضرورية للملح  وله استخدامات متعددة عندهم ، فهم يحتاجونه لتعويض اجسامهم عما يفقدونه من الملح أثناء التعرق الزائد   وهم يستخدمونه كذلك لعلاج بعض الأمراض المستعصية هناك .
كما أن الملح استخدم في مرحلة ما في هذه المناطق كعملة مقبولة في كل الأسواق والمدن في الجنوب ، حيث يقطع إلى وحدات صغيرة ويحمل في أكياس مخصوصة وتستطيع أن تشتري به ما تريد من بضائع وسلع ، بعكس بعض العملات التي قد تقبل في سوق ، وترفض في سوق آخر .
البضائع التي تجلبها القوارب إلى تمبكتو :
 وأما السلع التي تأتي بها القوارب عبر النهر من الجنوب ، فإنها تتكون في مجملها من صنفين :
الأول عمدته الذهب ،ثم الألماس والعاج وخشب الصندل والصمغ العربي وريش النعام .. الخ  وهذا الصنف يتجه مباشرة إلى الحواضر الشمالية البعيدة   وقد يجد بعضه طريقه إلى موانيئ الضفة الشمالية للمتوسط  .
 أما الصنف الثاني فإنه موجه للمستهلك في تمبكتو   وقاوه ومدينة السوق ( تادمكت ) وما حولها وبقية القرى والمداشر القريبة في الصحراء والتي تقطنها قبائل عربية وطارقية  : كأروان والمبروك والمأمون   وبو المرحان ... وغيرها .
وجل السلع المتجهة إليهم تتمثل في :  
الأرز والدخن والعسل والتبغ وبعض البهارات الجنوبية والتمر الهندي وزيت الذرة .. الخ .
 
وهنا يلاحظ هذا التناغم الجميل لعملية التبادل ؛ حين تنتقل حمولة الجمل إلى القارب وتنتقل حمولة القارب إلى الجمل ويتجه كل واحد منهما عائدا ادراجه من حيث أتى محملا بما استطاع حمله ، بحثا عن سوق جديد وربح جديد ... وهكذا دواليك  وفي كل مرة تتجدد دورة من دورات الحياة التجارية في هذه المدينة العجيبة التي تستقبل كل الأجناس والأعراق ، بدون تفريق أو تمييز .
وربما لهذه الأسباب أثنى عليها الكثير من الرحالة الذين زاروها ولمسوا طيبة أهلها عن قرب وحبهم العميق للمرح  وتذوقهم للفن ، وترحيبهم بالغرباء ، بل والمبالغة في الإحتفاء بهم ربما لكي يبعدوا عنهم الإحساس بالغربة .
وقد وصف زوار هذه المدينة أهلها بالذكاء  واللباقة  والفطنة  ... وربما  تكون هذه الصفات والسجايا هي التي مكنت تمبكتو دائما من استعاب الآخر القادم من بعيد ، بل واكتسابه وجعله من صميم أهلها ، وربما تكون هذه الصفات - كذلك - هي التي مكنتها دائما من امتصاص الصدمات والنكبات التي تعرضت لها بسرعة فائقة والمبادرة إلى استعادة دورها المحوري في تحريك عجلة التبادل التجاري والثقافي بين ضفتيْ الصحراء واستمرار إشعاعها الحضاري في عموم المنطقة بدون منازع ، حدث ذلك مع غزوة جودر باشا ، وتكرر مع امتداد نفوذ شيخو آمدو وحدث بعد أزمات عديدة تسببت فيه بعض الأثنيات القاطنة في المنطقة .
 
 وكانت هذه المدينة العجيبة دائما تنتفض وتنهض من بين ركام معارك الآخرين على أديمها وكأنها تبعث من جديد وتنطلق في مسيرة جديدة وكأنها في شموخ عزها الأول .
ولكن هل نهضت تمبكتو بعد الإحتلال الفرنسي الغاشم ، الذي استمر جاثما على صدرها ، ويكتم أنفاسها  لأكثر من ستة عقود عجاف ( 66 ) ؟!!!
 
وماذا عن الحياة الثقافية في تمبكتو ؟  :
 
تمبكتو هذه المدينة المثقفة العالمة .. تكمن عظمتها   وسموها في أنها تمثل الذاكرة الحية للثقافة العربية الإسلامية في إفريقيا جنوبي  الصحراء ، بما كانت تعنيه في الماضي القريب ، كمنارة باسقة في سماء المنطقة تبعث أنوارها الوضاءة في كل اتجاه وكأهم تقاطع للإلتقاء والتواصل بين الشمال والجنوب ، وبما مثلته مدارسها وجامعاتها وزواياها الروحية كمعين  لا ينضب ، ينهل منه طلاب العلم والمعرفة في سائر منطقة الساحل الإفريقي ، إلى أعماق الغابات ، والأدغال الإستوائية .
 
وفي سياق الحديث عن عظمة الدور الثقافي والحضاري الذي نهضت به هذه الحاضرة الإسلامية العتقية وأخواتها في منطقة ثنية النهر يقول كاتب فرنسي معاصر :
 ... " تحولت مدن المنطقة الثلاث الكبرى : تمبكتو ..  وقاوه .. وجنيْ ، إلى مراكز لغليان ثقافي إسلامي ، سوداني ، لا تزال ذكراه حية "  أ .. هـ ..
نعم هذا صحيح فمنذ تأسيس الجامع الكبير ( جينقريْ بيري ) في القرن الرابع عشر الميلادي ( 1325 م )   ولحقه صنوه جامع سان كوريْ ) ، الذي بني على نفقة امرأة ميسورة من قبيلة ( كَلْغَلاَ ) من سكان المدينة ، في منتصف القرن الخامس عشر الميلادي وجامع الشيخ / سيدي يحي التادلي ، وما ذكر عن العدد الكبير لمدارس المدينة ، والذي تجاوز مائة مدرسة ( 180 ) ،نعم منذ ذلك الوقت  أصبحت المدينة كأنها خلية نحل تعج بالطلاب الأفارقة ، يأتونها من كل المناطق المجاورة واستقطبت العلماء .. والدعاة من كل البلاد العربية بل ونافست مدارسها وجامعاتها مثيلاتها في فاس .. والأزهر .. والقيروان .. ومنارات طرابلس الغرب .. والقيروان .. وتلمسان .. وكانت على اتصال بهم وتوافق وتكامل في المناهج العلمية وطرق التدريس .
 
ولم يقتصر دور المدينة فقط على اجترار واستهلاك ما يأتيها من منتوج فكري وثقافي من حواضر الشمال ، بل تجاوزت ذلك ، إلى استيعاب ذلك المنتوج الحضاري والمساهمة في تنميته وبذل الجهد في نشره في سائر الإقليم جنوبي الصحراء  .
وكان لعلماء المدينة إضافات جيدة في إثراء الثقافة   والفكر الإسلاميين في المنطقة ، فقد كتبوا وألفوا ، تآليف قيمة في كل العلوم والمعارف بما في ذلك الطب   وعلم الفلك والحساب ، إضافة إلى تآليفهم القيمة في الفقه وعلوم القرآن من تفسير وغيره .. وكتبوا في علوم الحديث واللغة العربية وآدابها ؛ من شعر ونثر   ونحو وصرف .. وكتبوا كذلك في التصوف   والتاريخ والجغرافيا .. وأغلب هذه المؤلفات مازالت مخطوطة لم تمتد إليه يد لتطبعها وتنشرها للناس .
 
 وقد ظل هذا الحراك وهذا النشاط العلمي والثقافي   حيا وفي نمو وازدياد مطرد ؛ يتحرك ويمد سائر منطقة غرب إفريقيا بالعلماء .. والدعاة .. والمصلحين إلى أن أحتل الغزاة المنطقة وكبلوها بأغلالهم البغيضة ، ثم طفقوا يحاولون قتل .. ومسح .. ومسخ ثقافة .. وهوية المدينة ، بل المنطقة برمتها .
 
البيوتات ، والأسر العلمية في تمبكتو :
 
واشتهر في المدينة بيوتات علمية منذ وقت مبكر من تأسيسها ، وقد توارث بعضهم الإمام  في المساجد الكبرى ، والفتيا ، وتعليم الناس مبادئ الدين الحنيف ، فكانت أسرة آل أقيت الصنهاجية هي السباقة في هذا المجال ، وظلت فيهم إمامة المسجد الجامع ، والقضاء إلى مجئ المغاربة ، ومن أعلام هذه الأسرة البارزين ، الفقيه الكبير / أحمد بابا التمبكتي ، الذي عارض الحملة المغربية ، فقبض عليه قائد الحملة ، جودر باشا ، هو ،وبعض آل بيته ، وأرسل إلى المغرب مكبلا في الأغلال ، وظل محبوسا هناك إلى أن توفي السلطان مولاي أحمد الذهبي ، فأطلق سراح الشيخ ، وعاد لاحقا  إلى وطنه تمبكتو ، التي ظل يحن إليها طوال فترة وجوده بالمغرب ، ويقول فيها ما تجود به قريحته من الشعر الجميل .
ومن الأسر العملية في المدينة ذات الشهرة ، والصيت ، أسرة  الونكريين أو الونقاريين ، وقد انجبت للمدينة العديد من فقهائها ، ولعل أشهرهم الفقيه العلامة / محمد محمود بغايغو ، وهو أستاذ أحمد بابا التمبكتي .
ومن الأسر العلمية التي كانت لها إضافة مشهودة في الحياة العلمية ، والثقافية للمدينة : ( كل إنصر ) أو الأنصار ، وهم قبيلة كبيرة ، كانت من أوائل القبائل العربية التي أستوطنت تمبكتو ،وضواحيها ، منهم الفقهاء ، والعلماء ، والشعراء ، والساسة ، وعلماؤهم لهم مؤلفات علمية رصينة في كل مجالات المعرفة .
ومن الأسر ، والقبائل التي اشتهرت في المنطقة بالعلم ، والتعليم ، قبيلة : ( كل أسوك ) أو أهل السوق ، وهم تاريخيا مجموعة من العلماء كانوا عصب التعليم ، والقضاء الشرعي ، في مدينة : السوق ( تادمكت ) ، ولما دمرت المدينة  ، إثر غزو ملك الصنغاي : سوني ألي بيري لها ، تفرقوا بين القبائل ، والمدن ، ولذلك عرفوا بين الناس باسم : ( أهل السوق ) ، وهم  في الواقع من أصول مختلفة - كما تقول بعض المصادر - فمنهم : الأشراف ، ومنهم الأنصار ، ومنهم غير ذلك ، وقد اشتهروا في المنطقة بأنهم القبيلة الوحيدة التي ليست لها مهنة إلا العلم ، وتعليم الناس ، والقضاء بينهم بالحق ، وقد اشتهروا كذلك بنسخ الكتب بخطهم الجميل الذي تميزوا به في كل الصحراء ، وبلاد السودان .
ومن الأسر العلمية في المدينة ، أسرة آل الشيخ / سيدي أحمد أق آده ، وآل الشيخ / زيني ، ولم نتطرق للأسرتين هنا لأن وجودهم الحقيقي ؛ بالنسبة للأول ؛ هم بناة ، ومؤسسي زاويتهم الشهير في قرية أَرَوَانْ ، ونشاطهم العلمي ، والتربوي يتركز فيها منذ قرون ، وهذا لاينفي أن لهم وجودا ملحوظا في تمبكتو ، فقاضيها الشهير / محمد محمود الأرواني منهم ، وكذلك من أعلامهم في المدينة ، مولاي أحمد بابير ، وكذلك الأمر بالنسبة لآل الشيخ / زيني فهم بناة ، ومؤسسي زاويتهم المباركة المعروفة في قرية : بوجبيهة ، وما زالوا يعمرونها ، ونشاطهم العلمي ، والدعوي يتركز فيها .
ومن الأسر العلمية التي دخلت المدينة متأخرة ، الأسرة الكنتية ، ولكنها ساهمت بنصيب طيب ، في كل الحركة الحية فيها ، في كل الميادين ، الإقتصادي  منها ، والسياسي ، والثقافي ، ولعلمائها تآليف مهمة ، ومتميزة ، في كل الموروث المكتوب في مكتبات ، ومراكز المدينة العلمية ، بل المنطقة بعمومها ، وسكن في تمبكتو العديد من أعلام الأسرة الكنتية ، منهم على سبيل المثال الشيخ / سيد المختار الصغير ( بادي )  ، والشيخ / سيدي علواته ( عروة ) وله تفسير للقرآن ، والشيخ / أحمد البكاي ، وله مؤلفات مختلفة في السياسة ، والتاريخ ، والتصوف ، وله شعر جميل في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم ، والشيخ /سيد بابا أحمد بن الشخ سيد المختار الصغير- 1834/1887 م -  ( وكان خليفة عمه في مشيخة الطريقة القادرية في المنطقة ) ، والشيخ / سيدي أحمد بن عمر الرقادي الكنتي - 1633/1718 م - ، وله كتاب في الطب العربي ، والأعشاب ، يعتبر أهم كتاب في مجاله في كل الصحراء ( شفاء الأسقام العارضة في الظاهر ، والباطن ) ، والجد ؛ سيد محمد الفردي - 1840/1909 م - ( كان من أعيان المدينة ،وقاد المقاومة الكنتية في وجه الغزو الفرنسي ) ...وغيرهم كثير ربما لا يتسع المجال لذكرهم .
تمبكتو اليوم :
كانت تلك لمحة مقتضبة عن تمبكتو التاريخية ، قبيل الغزو الإستعماري ، أما تمبكتو بعد الإستعمار أو الإستخراب بمعنى أصح  فلها قصة أخرى ، فلم تلبس بعد ثوب الكتابة عنها أو قل لم يعد فيها ما يغري بتجشم الصعاب ، وركوب المخاطر للوصول إليها ، والكتابة عنها ، فقد عمد الغزاة إلى خنقها ، بل قطع كل الشرايين ، والأوردة التي كانت تتغذى عليها ، وتمدها بإكسير الحياة بقصد القضاء عليها ، وقبرها نهائيا ، حتى لا تبعث من جديد ، ويبزغ شعاعها معلنا ميلاد فجر جديد ، فهل كان لهم ما أرادوا ؟ وهل ما تجثم عليه المدينة العتيقة من كنوز، وثروة علمية يستحق أن يكتب عنه، ويعرض لأشعة النور ؟
 أما تمبكتو الحالية ، فهي مدينة ، أو قل : قرية متواضعة ، تقع في جمهورية مالي ، وهي عاصمة الإقليم السادس ، وتحاصرها الرمال ، والتصحر ، من كل جانب ، وشوارعها بائسة ، تمنعك الرمال المتكدسة من السير فيها ، راجلا أو راكبا ، ومساكنها متهالكة ، يكاد يقع بعضها على بعض ، وأغلب سكانها هجروها ، أو هُجروا منها بسبب عوامل الطرد المعروفة ، أو بغيرها !!!  فبعد ما كانت في القرون الغابرة يقدر ساكنوها بما يفوق : مائة ألف نسمة ( 100,000 ) ، وكان طلبة العلم فقط فيها يتجاوزون خمسة وعشرين ألف نسمة (  25000 ) ، أصبح الآن  مجمل سكانها على أحسن تقدير أقل من ثلاثين ألف نسمة ( 30,000) !!!
وحتى النهر الذي اختارته  لتبنى على ضفافه ، وتستنشق نسيمه العليل ، وترتوي ، وتغتسل من مياهه الرقراقة العذبة ، هجرها ، وسلاها ، وابتعد عنها بمسافة فوق العشر كيلو مترات ، متعللا بالزحف المستمر لرمال الصحراء على روافده ، وفروعه التي ما فتأت تخرج عن طوعه أحيانا ، وتندفع صوب المدينة ، راوية ، وساقية ، وحاملة المراكب ، والركبان ، ثم أصبحت مطيعة للمجرى الكبير ،  ولم  يعد النهريفيض على المدينة  في مواسم التدفق المعهودة مما أفاض الله به عليه ، خاصة بعد إقامة الدولة لسدود حصرت مياه الفيضان في أعالي النهر جنوبا !!!
ولكن برغم كل ما تقدم يظل الأمل ، والتفاؤل قائمين ، والسعي لغد أفضل ، وربما تمثل ذلك في مبادرات واعدة من جهات عدة لأنتشال المدينة من هذه الوضعية غير الطبيعية التي تعيشها ، كما نتحسس إشراقة أمل في بعض المراكز العلمية ، والثقافية ، والمكتبات الأهلية ، التي بدأت ترى النور في المدينة ، ولعلها تتحرك نحو المأمول ، وكان رائدها ، وقائد ركبها : مركز أحمد بابا التمبكتي للمخطوطات  ، والذي تأسس  في السبعينات بدعم مشكور من منظمة المؤتمر الإسلامي ، وبجهد متميز من الدكتور / محمود عبده الزبير - سفير سابق ، ومستشار الرئيس الحالي للشؤون الإسلامية - وهوأحد مثقفي البلد الذين يشار لهم بالبنان ، وكان أول مدير عام للمركز ، و يمكن أن نسميه : رائد جمع المخطوطات العربية في مالي بدون منازع ، وقد بذل مشكورا مجهودا جبارا لجمع أكبر قدر من مخطوطات المنطقة المعرضة للضياع ، والتلف ، بل والتهريب ، والسرقة ، كل ذلك في فترة صعبة ، وفي زمن قياسي نسبيا ، حتى يقال إنه جمع قبل أن يغادر المركز أكثر من تسعة عشر ألف مخطوطة ، ووثيقة تاريخية ( 19,000 ) ، وساعده في هذا العمل الرائع مجموعة نشطة من الباحثين الغيورين على تراثهم ، وثقافتهم المهددة بالضياع ، منهم المرحوم ، الأستاذ / سيد عمر بن علي الترمزي - طيب الله ثراه - ، والأستاذ / عبد الوهاب دوكري ، والأستاذ / نوري الأنصاري ، وصديقي العزيز ، الأستاذ / عبد القادر حيدرا ، والذي أسس لاحقا مكتبة: ( مما حيدرا ) جمع فيها الكثير من تراثنا المخطوط قارب تسعة آلاف مخطوط ، ووثيقة (  9000 )،وهناك مكتبة الزاوية الكنتية ، والتي تزخر بالكثير من المؤلفات ، والوثائق من موروث الأسرة الكنتية ، وتقع في حي أهل سيدي علواته  في المدينة ، ويشرف عليها القنصل السابق ، والمحامي المتقاعد ، الشيخ / حمه بن سيد عمر الكنتي ( حمه كنته ) ، كما تضم المدينة العديد من المكتبات الأهلية الواعدة  ، وكأنها تحاول استرجاع الماضي التليد ، وتنفض الغبار ، والأتربة ، وعاديات الزمن ، عن ذاكرتها العلمية الثرية ، بل ذاكرة إفريقيا الثقافية ، العربية الإسلامية !!!
  فهل يعطينا هذا أملا جديدا بعودة الحياة إلى هذه المدينة العتيقة التي تتنفس بعبق التاريخ ، وتنضح أصالة ، وتتمايل بعظمة ، وسمو العلم ، والمعرفة ؟ هذه الشامخة التي تغفوا على حواف الصحراء تجتر ذكريات ماضيها المجيد ، ويلسعها حاضرها المر الأليم !!!
وهل يشفع لها أنها كانت في يوم من الأيام عاصمة اقتصادية ، وثقافية ، بل وتاجا مرصعا لكل مدن ، وحواضر الصحراء ، وبلاد السودان ؟!!!
في الحقيقة كلنا أمل أن تكون هذه اللفتة الكريمة من : ( المنظمة الإسلامية للتربية ، والعلوم ، والثقافة ) باعتبار تمبكتو هذا العام ( 2006 م ) عاصمة للثقافة العربية الإسلامية في إفريقيا  ، تكريما لدورها التاريخي المميز في  إثراء ، ونشر الثقافة ، والمعرفة في ربوع إفريقيا الواعدة ، نأمل أن تكون هذه خطوة خيرة في الإتجاه المرجوا ، وأن يفعل هذا الإختيار ، بإقامة ندوات علمية عن المدينة ، وأن تنظم رحلات علمية لطلاب أقسام التاريخ ، والحضارة ، والأقسام السياسية ، وأقسام إعداد الدعاة ، والأقسام المهتمة بالدراسات الإفريقية في الجامعات ، وغيرها ، أن تنظم رحلات تعريفية لكل هؤلاء إلى المدينة للتعريف بدورها الريادي ، وموقعها المميز في تاريخ الحضارة العربية الإسلامية في المنطقة ، وهو أمر تقوم به جامعات غربية عريقة سنويا ، فلا أقل من أن نقلدهم في هذه !!!
وأن تنظم حملة متوازية على مستوى المتخصصين ، والباحثين ، والمهتمين ، لزيارة المدينة ، بغية الإطلاع على الكم الهائل من المخطوطات العربية النادرة ، الذي مازال يرقد أغلبه في صناديق قديمة ، وصدءة ، وعلى أرفف متهالكة مغبرة ، ويحتاج إلى عناية خاصة لترميمه ، وحفظه ، وفهرسته ، وتحقيق ما يستحق منه التحقيق ، والنشر ، حتى يكون في  المتناول ، فتستفيد منه الجامعات ، والمعاهد العلمية ذات الصلة في العالمين العربي ، والإسلامي .
 

(29) تعليقات

أنشــــودة الصمــــــــود ...

هذه القصيدة لشاعرنا الكبير :
 
با أحمد عمر الكنتي .
 
مهـداة لسيد المقاومة :
 
السيد : حسن نصر الله .
 
 
 
عداك النوم مرتئد المعالي 
    فشمر للنضال وخذ نِصالِ .
 
تفجر أيها البركان وارم  
   بزلزال ورعد لا تبالي .
 
أحزب الله قاتل حزب شرٍ   
  وصِدهُ في الخنادق والجبالِ .
 
وعلِمنا الصمود فنحن شعب  
   أمات اليأس منا كل غالِ .
 
قبائلنا تعيش على سباتٍ   
  من الذل المشين والإتكالِ .
 
تغض الطرف في صمتٍ رهيبٍ  
   وحالكٍ واحدٌ في كل حالِ .
 
ألاَ بلِغ بني كسلان جهراً   
  وسراً والنيام بني هلالِ .
 
وخبر كل مهزوم يؤوس   
  يقصر من أسنته الطوالِ .
 
بأنً النصرَ نصرُ الله آتٍ   
  ليهزم حولنا جيش الضلالِ .
 
ففي إقدامكم إفحامُ قومٍ  
   رَأوْ أن الصمود من المحالِ .
 
فبورك في صمودكم وتباً    
 لإصحابِ الفخامةِ والجلالِ .
 

(27) تعليقات

التصوف عنـدنا ؛ النشأة ، والمفهــوم ، و الدور ( 3 ) " إشـــــــــــــراقات صــــــــــــوفية

دعاء: (حزب الإسراء ) 
                       
للشيخ / سيد المختار الكبير الكنتي الفهري
( 1730/1811م )
 
  
بسم الله الرحمن الرحيم
 
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما ..
 
 ... ( سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى  المسجد الأقصا الذي باركنا حوله لنريه من ءاياتنآ إنه هو السميع البصير  ..)
 
اللهم حققني بحقائق العبودية تحقيقا تمحو به عني كل حجاب حتى أخلو معك في حضرة قدسك خلوة يخلو بها قلبي من كل شبهة .. ويقع بها ثلج الغيب على نار الهم والإهتمام، والحرص ، والإتهام .. لأكون معك في كل ذلك على ما تريد كما تريد بأن لا أريد تعجيل ما أجلت ، ولا تأجيل ما عجلت ... 
 
اللهم إني أسألك ذل العبودية .. وأسألك بذل العبودية ، عز الربوبية ، فإنه لا مذل لمن أنت ربه ، ولا معز لمن  غيرك حزبه ، قلت ، وقولك الحق ، ووعدك الصدق ، ترغيما لإبليس عدونا ، وتنويها لقدرنا مع غلونا في أمرنا : ( إنَ عبادي ليس لك عليهم سلطان .. )
 
اللهم إني أعوذ بك من الذل إلاً لك .. ومن الخوف إلاً منك .. ومن الرغبة إلاً فيك .. ومن الهيبة إلاً لك .
 
اللهم تولنا بولاية الإكرام وأبسط علينا أيادي الإلهام ، وأكسنا بجلابيب الإنعام ..
 
اللهم اجعلنا من الذين أنعمت عليهم غير غضبان ولا ماكر في جميع ذلك بهم .. فإنه لا  أمان لمكرك .. ولا  يأس من خيرك ..
 
 اللهم أصحبنا في كل ذلك بألطاف لطائف لطفك الخفي .. واتحفنا بالعون منك في كل ما أنت مدخلنا فيه مما لا طاقة لنا بالدخول فيه إلاً بتأييدك ...
 
اللهم واجعل لنا في كل ما نخاف منه العطب مخرجا  يفضي بنا إلى فرج كما جعلت في النار بردا وسلاما لخليلك  . 
اللهم كما غيبته بك عن رؤية الأغيار وقد زج به في المنجنيق إلى النار فغيبنا، وكما أغنيته بك عن  التعرض للدعاء ، والإلتجاء إليك لعلمه بحسن تدبيرك ، ونفوذ أمرك فاغننا عن الوسائل ، والوسائط ، والأسباب ، وعن رؤية الضر من الأعداء ، والنفع من جهة الأحباب ...
 
اللهم إنا قد اضطررنا إلى جدواك ، وما استغنينا قط عن ذاك ، ولكن وقع العيان وذهب التكلان ، وانقطعت العلائق ، وتحققت الحقائق وانقطع الرجاء من غير الخالق ، وخاب الظن فيما سوى الغني الرزاق ..
وقد دعانا وعدك الصادق ، وكتابك الناطق إلى الفرار إليك في السراء ، والضراء .. الإنضواء إليك عند نزول البلاء ، بصادع قولك :
( .. أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء .. ) وقد أييستنا من غيرك ، وما بقي الطمع إلاً في خيرك ، وقد تراكمت علينا ظلمات الهموم بأنواع الرسوم ، في غياهب كثائف النفوس لبقايا تعلقنا بعلائق المحسوس ، وقد غلبنا فناديناك في الظلمات ( ... ) : ( .. أن لا إله إلاً أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ... ) كما دعاك صفيك المعصوم الملتقم المغموم : يونس بن متى-عليه السلام- فاستجبت له ونجيته من غمه ...
اللهم كما استجبت له فاستجب لنا ، وكما نجيته من الغم فنجنا واجعلنا من المؤمنين ، وانبذنا في عراء السلامة ، والتسليم ، وذهاب الغم بحصول المسرة ، والتكريم ..
 
اللهم واسري بروحي إلى حضرة قدسك ومكافحة انسك واشرح صدري  لتحمل أعباء عرفانك ، ونق عن قلبي حتى أعاين عين حسن إحسانك ... ومتع بصيرتي بمحاضرة ملكوت تبصرات حقائق .. دقائق .. رقائق .. ذرات علوم .. علم الغيب  المكنون .. المخزون الذي ( ... ) لم تطلع عليه إلاً من ارتضيته من أنبيائك ... وأوليائك فتسلكه من بين يديه ومن خلفه رصدا ... ثم أوزعني أن اشكر نعمتك التي أنعمت بها علي شكرا استوجب به المزيد منك .. إنك أنت الرب المجيد .. الفعال لما يريد يا ( كهيعص ) يا ( حمعسق ) يا حي .. يا قيوم .. يا ارحم الراحمين ... يا ذا الجلال والإكرام ، أسألك أن تسخر لي أجناس العالم تسخيرا تخرق به العوائد .. وتتزايد به الفوائد .. وتضمحل به العوائق ... وتتلقى به الدقائق إذ لذلك خلقتنا ... وإذ بذلك شرفتنا فقلت : ( .. ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا .. )
 
اللهم كما جعلتنا خلفاء الأرض فاجعلنا رؤساء في السماء ( ... ) واذكرنا في الملأ الأعلى .. وشرفنا بك في  المحل الأجلى .. واجعل بداية ترقينا سدرة المنتهى ... ونهاية تلقينا إلى من أنتهى دون عظمة جلاله كل  منتهى .. ( وإن إلى ربك المنتهى )
 
اللهم اجعل بدايتنا فيك ... ونهايتنا إليك .. وخذ بنواصينا إليك .. وقدنا إلى حضرتك قود الكرام عليك ... وانصرنا ، ولا تنصر علينا .. وظفرنا ، ولا تظفر بنا .. وآثرنا ، ولا تؤثر علينا ... وباسمك الكافي اكفنا .. وأعف عنا .. وعافنا ... وأصحبنا باللطف في سفرنا .. وفي حضرنا .. وكن الخليفة لنا في أهلنا ... وتولنا في حركاتنا ، وسكناتنا ... واعصمنا في إرادتنا ، وخطراتنا ... ونجنا من الشكوك ، والأوهام ، والظنون  بحبل الإعتصام ..: (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ..)
 
اللهم إني أعوذ بك من شتات الأمر ، وتفرق الأهواء .. وخيبة الرجاء .. وشماتة الأعداء ... وعضال الداء ، كما استعاذ بك من ذلك نبيك الخاتم - صلى الله عليه وسلم -  المجتهد الحازم ... واحفظني يا حفيظ بحفاظة وقاية .. عناية .. حماية ... منع ... منيع .. سرادقات .. حجب .. حجاب سر ( ... ) قولك القديم .. الكريم .. العميم : ( ... إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون .. )  واكنفني بكنف .. نصر انتصارك .. لحزبك .. وانصارك .. ووجهني .. بوجهة .. وجاهة .. وجه .. تجليات .. جبروت .. ناسوت .. لا هوت قهر قولك الصادع .. المضر النافع : ( .. وإن جندنا لهم الغالبون .. )
وأيدني .. بتأييد .. تمهيد .. تشييد .. تشديد .. تعزيز ..عز قولك الحق : فأيدنا الذين ءامنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين . .. )
( ..... ) ودمر أعداءنا بتدمير تسخير عدلك الناطق بحكم قولك الصادق : ( ..  فأصبحوا لا ترى إلاً مساكنهم كذلك نجزي القوم المجرمين .. ) وامدحني بمدحتك لخلاصة خاصتك الذين قلت في حقهم : ( وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما والذين يقولونا ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما إنها ساءت مستقرا ومقاما.. )
 
واجعلنا اللهم ممن تحيتهم يوم يلقونك سلام ... واجعلنا من المؤمنين الذين    جعلت آخر دعواهم ( أن الحمد لله رب العالمين .. )
 
 واجعلنا اللهم ممن جعلته أهلا لمكافحة خطابك في محكم كتابك إذ قلت لحزبك واحبابك : ( إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين ءامنوا صلوا عليه وسلموا تسليما .. ) فها أنا عبدك الضارع .. الذليل .. الخاضع أقول :  
لبيك اللهم ربي وسعديك والخير كله بيديك .. عبدك الضعيف بين يديك .. متعرضا لنفحات فضلك .. معولا في إصلاح حاله عليك .. قائلا أمتثالا لأمرك وأداء لحق رسولك .. محبة في مخاللة خليلك :
اللهم صلي على درة الكون وبهائه.. وشمسه .. وضيائه .. وسلم عليه وعلى آله أتم صلاة وتسليم وأتم تحية وتكريم إنك بكل شيئ عليم ... أ.. هـ

(56) تعليقات

التصوف عندنا ؛ النشأة ، والمفهوم ، و الدور ... ( 2 )

ربما نكتفي بما سبق عن نشأة الحركة الصوفية ، والمفهوم الأصيل لمبادئها التي ، دعت إليها ، وفي هذه العجالة سنحاول المرور بتبسيط  - ارجو ألاَ يكون مخلا - على الدور المشهود الذي قام به هؤلاء الدراويش - كما يحلو للبعض تسميتهم - والكلمة (( تركية )) بمعنى : ( الفقراء ) في نشر الإسلام الحنيف ، وحضارته الراقية في أصقاع مختلفة من العالم .
 
من المعلوم - تاريخيا - أن الإسلام أنتشر في أجزاء كبيرة من بلاد الصين ، وإندونيسيا ، ودول جنوب شرق آسيا ، وكل مناطق ؛ شرق .. ووسط .. وجنوب  إفريقيا ... وكذلك أغلب مناطق إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى إلى نطاق الغابات الإستوائية ، أنتشر الإسلام في كل هذه البقاع بواسطة جهود رجال الحركة الصوفية الذين رافقوا القوافل التجارية  التي كانت ترتاد المراكز التجارية الموجودة في هذه المناطق ، وقد تجاوز هؤلاء مرارا النقاط القصوى للقوافل التجارية ، وتوغلوا إلى عمق الغابات الإفريقية ، والآسيوية .
 
ومن يدرس تاريخ هذه البلاد قبل الإستعمار الغربي يلمس الجهد البناء الذي بذل هناك ... وبالمثال يتضح المقال ، اقرأ ما كتبه الرحالة العرب الأوائل : ( ابن بطوطة .. والبكري .. وحسن الوزان : ليون الإفريقي .. ) وقد زاروا المنطقة واختلطوا بأهلها ، واستضافهم ملوك ، وأباطرة البلاد ، وعايشوا الجالية المسلمة عن قرب ، واقرأ - أيضا إن شئت - ما كتبه المستكشفون الأوروبيون  الذين جالوا في البلاد تمهيدا للإستعمار ( بل الإستخراب ) ، ومسحوا المنطقة بحثا ، واستكشافا ، ورسموا خرائط لطرقاتها ، وسبلها ، ومدنها العامرة ، وكتبوا دراسات مستفيضة عن سكانها والعناصر السكانية المؤثرة فيها وستجد ما يذهلك عن نشاط هؤلاء الدعاة الدراويش - المتجولون - هناك .
 
 ومما سجلته أقلام الأوروبين - على سبيل الإستغراب والدهشة - أنهم وجدوا  اللغة العربية هي اللغة السائدة في هذه البلاد  الإفريقية ، حتى أن إداراتها الرسمية كلها كانت تسيير أمورها بالعربية .
 
ومما يشهد لذلك أن أغلب المعاهدات التي كتبت بين حكام البلاد ، مع المحتل الغربي كانت مكتوبة بالعربية وهي موجودة حتى الآن بعضها في الأرشيف ( المحفوظات ) الفرنسية ، وبعضها في دور الوثائق الوطنية ، وكذلك كان الأمر في شؤون الناس الدينية ، والإجتماعية  ، في كلها كانت العربية حاضرة في صغيرها وكبيرها ، وتشهد على ذلك صيحات التحذير  التي أطلقها بعض المستشرقين الذين اطلعوا على احوال المنطقة :أنه إن لم تسارعوا إلى إحكام السيطرة على القارة الإفريقية فستتحول بعد كذا ( زمن حددوه )) .. إلى قارة مسلمة بالكامل !!!.
 
وفي المجمل لا يستطيع باحث منصف في تاريخ القارة الإفريقية ، ومنطقة جنوب شرق آسيا - الحديث ، والمعاصر - أن يغفل الدور الإيجابي للحركة الصوفية فيهما ؛ ففي افريقيا - مثلا - كان رجالات الصوفية هم محرك ، ومحور الحركات الإصلاحية ، وكانوا الدعامة الحقيقية للجهاد ، ومقاومة الغزاة ، والمحتلين ، ولا يمكن - أبدا - فهم تاريخ افريقيا الحديث بعيدا عن حركات التصوف الجهادية فيها .
 
وخذ على سبيل المثال الأمير/عبد القادر الجزائري في ( الجزائر في القرن التاسع عشر الميلادي ) وما قام به من دور مشهود في مقاومة  الإستعمار الفرنسي في بلاده .. وهو( قادري وكان والده شيخ الطريقة القادرية في منطقته  )
 
وخذ أسد الصحراء الشيخ المجاهد / عمر المختار، ودوره العظيم في حمل لواء المقاومة ، وإذكاء شعلة الجهاد ضد الغزاة الإيطاليين في بلاده بل واستشهاده بأيدي الأعداء مشنوقا في ميدان عام ، وهامته كالطود الأشم تأبى الذل والرضوخ للغزاة الظلمة وأعوانهم من المتخاذلين ،  برغم ما عرض عليه من حلول توفيقية مع العدو فرفضها بلا تردد وأبتها نفسه العظيمة بشموخ وتحدي ( وكان أحد مقدمي الطريقة السنوسية في بلده ليبيا   ) .
 
والشيخ المجاهد/عابدين الكنتي ( قادري ، وهو أحد أحفاد الشيخ / سيد المختار الكنتي الفهري ، شيخ مشايخ القادرية في بلاد السودان ومنطقة الصحراء الكبرى ) وقد قاد الشيخ / عابدين الكنتي الجهاد والمقاومة ضد الغزاة النصارى في أكثر من قطر ؛ فقد جاهد مع الليبيين ضد الإيطاليين ... وجاهد في الجنوب الجزائري  ضد الفرنسيين ... وجاهد في موطنه الأول الذي عرف لاحقا ( بدولة مالي الحالية ) ضد الفرنسيين ،  .. وجاهد كذلك ضد الفرنسيين في المملكة المغربية ، حتى توفي هناك وله ذرية باقية إلى اليوم في المغرب وله أحفاد وذرية باقية عندنا في مالي أيضا  ...  
والشيخ / سيدالأمين بن عابدين الكنتي ، الذي قاتل جنبا إلى جنب مع والده - في أغلب الميادين - ضد الغزاة الأوروبين حتى سقط شهيدا في ميدان معركة العزة والكرامة والجهاد  .
 
والشيخ المجاهد / ماء العينين الشريف القلقمي ، ( وهو ابن شيخ ، وقد أصبح هو أيضا - فيما بعد - شيخا لطريقة قادرية عرفت فيما بعد بالطريقة العينية نسبة إليه ) وهو من المقاومين والمجاهدين العظام الذين قاتلوا على أكثر من جبهة ، فقد حارب الغزاة في بلاد شنقيط .. وفي الصحراء الغربية ( الساقية الحمراء ووادي الذهب ) .. وفي المملكة المغربية .. وكذلك ابنه البطل المجاهد الكبير الهيبة .
 
والشيخ / عمر تال الفوتي المجاهد الكبير ( وهو أحد مشايخ التجانية الكبار )  ..
وساموري توري، الذي أفزع الفرنسيين ، وقض مضاجعهم ، وقاتلهم في أكثر من مكان ...
وسيد محمد الفردي ، ( وهو قادري ، وأحد أحفاد الشيخ سيد المختار الكنتي الفهري ) وابنه / سيد أحمد البكاي الذي تصدى للغزاة الفرنسيين إبان اقتحامهم لمدينة تمبكتو التاريخية ، وأوقع في صفوفهم خسائر فادحة قبل أن تجبره الآلة العسكرية الفرنسية المتطورة على الإنسحاب ، وقد استشهد في الميدان ثلة من رفاقه البواسل ، ومن بينهم ابنه البكر : سيد أحمد البكاي - المذكور آنفا - وقد مثل به الفرنسيون بعد استشهاده على أبواب المدينة دفاعا عنها وقطعوا رأسه عن هامته وعلقوه على مدخل المدينة لعدة أيام عبرة لمن يعتبر .
 
إذن في الختام يمكن القول أن هؤلاء - وغيرهم كثير- كانوا غيضا من فيض، جاهدوا في الله حق جهاده - ولانزكي على الله أحدا - في كل الميادين ؛ في التعليم والتربية ، والتأليف ، وألفوا مئات الآلاف من الكتب في كل حقول العلم والمعرفة ، ويشهد بذلك ما تزخر به مكتبات المنطقة من مخطوطات تجاوز مليونيْ مخطوط فقط في منطقة ثنية نهر النيجر( تمبكتو .. وقاوه .. وجني .. ومنطقة كيدال ) .
 
وجاهدوا في ميدان الإقتصاد والتجارة فقد كانت المنطقة في عهدهم عامرة  والتجارة فيها رائجة .. والناس يعيشون في رغد من العيش والهناء ..
 
وجاهدوا في ميدان الإصلاح الإجتماعي ، والديني ...
وكذلك جاهدوا في الميدان العسكري عندما استدعى الأمر ذلك - كما استعرضنا آنفا - ودخل عليهم الغزاة في ديارهم ..
 
وقد تعمدت إراد الأسماء حتى أعطي فرصة لمن أراد أن يستدرك .. أو يصحح معلومة .. أو يدلي بملاحظة مفيدة للتاريخ .

(14) تعليقات

التصـــــــوف عندنـــــــا ؛ النشأة .. والمفهوم .. و الدور ... (1)

بداية بما أنني لست أهلا للقول الفصل في هذا الموضوع الكبير الذي أقحمت نفسي - الضعيفة - للحديث حوله فإنني استسمحكم عذرا فيما يقصر قلمي عن إعطائه حقه ، وما لم أتمكن من بسطه ، وشرحه كما ينبغي  .
 
البعض يتحدث عن تصوف سلبي ، وتصوف إيجابي ، ولكننا عند تمحيص الحقائق وفرزها نجد أن التصوف الحقيقي كله إيجابي ، ولكن الشيئ الؤكد  أيضا أن كل ما له حقيقة له كذلك ما يعلق به مما يشبهه  ويماثله  .
 
يحلو للكثيرين - اليوم ممن يغمزون ويلمزون في التصوف - عند الحديث عن التصوف الإسلامي أن يخلقوا ربطا بينه ، وبين بعض المعتقدات ، والأديان قبل الإسلام !!!  وهل هناك ما هو قبل الإسلام ؟؟!! ..
في الحقيقة : إن الدين عند الله الإسلام ، فهو الدين الذي تعاقب على حمل رسالته إلى البشرية قاطبة الأنبياء والرسل جميعا - عليهم صلوات الله وسلامه - من لدن آدم - عليه السلام - إلى رسولنا الخاتم عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم .
 
وهذا الربط المختلق - لعمري - فيه الكثير من التجني على لب الحقيقة ، وفيه من التعليل ، والتحليل ، والتنظير ما يبعده عن السياق التاريخي المُوثق الذي ولد ، وترعرع في كنفه التصوف ، كمنحى ، ومنهج ، وسلوك تمثل في  طائفة مميزة من العلماء ، والزهاد المسلمين  .
 
والذي تطمئن إليه النفس ، ولا خلاف عليه - عند المحقيقين - أن هذه الظاهرة تبلورت وبرزت بوضوح في القرن الهجري الثاني ، في حواضر الخلافة العباسية ، ومن المعروف - حسب المصادر- أن  في هذه الفترة   اشتد انغماس الناس - عامة ونخبة - في مباهج .. ومتع .. وملذات الحياة ، ولم يسلم من هذا إلاً (من رحم ربي )
وكان الحكام ، والسلاطين ، وحواشيهم ، ومن تمثل بهم كانوا أشد المندفعين في هذا الإتجاه ، حتى بدا أن الإهتمام العام - عند المعنيين - أصبح منصبا فقط على جمع الخراج ، والمكوس ، والضرائب ، والتباهي بمظاهر البذخ ، والإكثارمن اقتناء الجواري ، والقينات في قصور الحكام ، وعلية القوم من التجار ، وذوي اليسار في كل الحواضر الإسلامية .
 
وهذه الحالة من الإنتكاس ، والتراجع المريع عما كانت عليه الأمور في  صدر الدولة الإسلامية ؛ من صفاء .. ونقاء .. ووضوح المعالم .. والأهداف .. والرؤى .. وحركة الجهاد ، والفتوحات المستمرة  ..  حتى في عهد دولة بني أمية ( برغم ما عليها من ملاحظات ) هذه الحالة خلقت أزمة  خانقة في كل المجتمعات الإسلامية على كل المستويات ؛ أزمات  فكرية .. وأزمات  روحية .. وأزمات  اجتماعية ، الأمر الذي جعل البعض من أهل البصيرة النافذة .. وأولي العقول والنهى ، جعلهم يقفون وقفة تأمل .. واستدراك ، وتبصر، ويمعنون النظر فيما آلت إليه أحوال مجتمعاتهم من بعد الشقة بين ما هم عليه ، وما كان عليه صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتابعيهم وتابعي تابعيهم - رضوان الله عليهم - من سلوك ونمط عيش .. وما وصل  عنهم بالتواتر الموثق من زهدهم في متاع الحياة ورغدها ، واعتزالهم للفتن والمؤامرات التي حدثت في  زمنهم ..
 
في هذه الظروف المتأزمة ظهرت حركة التصوف - كما تولد أي حركة من رحم ظروفها ووقتها - بين نفر مميزين من العلماء ، والزهاد ممن غاظهم ، وأحزنهم ما حصل من انتكاسة ، وتراجع عن مبادئ ، وقيم الإسلام العظيم ، وكانوا في الواقع امتدادا  في السلوك ، والمنهج لعصر الصحابة ، والتابعين ، والزهاد منذ  " ابو الحسن البصري " .. و" الجنيد " ..  و" شقيق البلخي "  ثم مولانا الشيخ / عبد القادر الجيلاني ... وحجة الإسلام الإمام / ابوحامد الغزالي  .
  
ويرى العلامة / ابن خلدون - وهو حجة في هذا الموضوع - يرى أن التصوف إسلامي في أصله ، ومبناه ، وأنه مستمد من الكتاب ، والسنة الشريفة ، ويلخصه - ربما في أيامه - في العكوف على العبادة ، والإنقطاع إلى الله تعالى ، وأنه كان يمثل استمرارا لسلوك الصحابة - رضوان الله عليهم - والسلف الصالح ... ثم يذكر ظروف ، وأسباب  بروزالمتصوفة  في  ذلك الزمن   فيقول : 
 
بدا تميزهم عندما كثر الإقبال على مباهج الحياة ، وزينتها في القرن الهجري الثاني .
 
وبالعودة إلى مصادر القوم الأصلية ، ومراجعهم نستطيع أن نتبين الحقيقة من منبعها الأول ، انظر كيف يقدم أحدهم جماعته :
 
التصوف عندنا هو : صفاء المعاملة مع الله - عز وجل - والصدق بالقول والعمل مع النية ، وهو : اجتناب المحرم والتزام الواجب ، والإكثار من النوافل والطاعات..
والتصوف في جوهره : خليط من عدم الرياء .. وعدم العجب بالنفس .. وحب التواضع ( من تواضع لله رفعه )
وهو كذلك : الإحسان  في العبادة (  .. أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك .. )
   وهو: الإحسان إلى الناس ( .. والله يحب المحسنين )
         ويكون ذلك كله في إطار المحافظة على أعمال الشريعة ..
وأهل التصوف الحقيقين - إضافة إلى ماسبق - تحكمهم تقوى الله في السر   والعلانية ..
        والإعراض عن الخلق في الإقبال والإدبار ..
           والرضا عن المولى - عز وجل -  في في القليل والكثير ..
والرجوع إلى الله في السراء والضراء ..
        وهم في خصوصهم اؤلئك الذين صفت نفوسهم وزكت أعمالهم ..
 
وهم الذين انزووا - عندما أشتدت الفتن - في الخلوات للتعبد والصلاة  .. وقراءة القرآن الكريم .. والأذكار المأثورة امتثالا لقوله تعالى :
( .. والذاكرين الله كثيرا والذاكرات .. )
 
وهم الذين يكثرون من النوافل بعد الفرائض والواجبات .. ألتماسا للغاية الكبرى المشار إليها في الحديث القدسي :  ( ... ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه .. ) وهل   هناك  غاية  أعظم .. وأجل .. وأعز عند العبد المسلم من محبة المولى عز وجل .. ؟
 
كل ذلك كان في الزمان والمكان اللذين انغمس فيهما أغلب المسلمين في  حب الدنيا وزخرفها .. ومتاعها .. و مباهجها .. وابتعدوا عن نصرة  الدين .. والجهاد في سبيله ..
 
وهؤلاء النفر ممن عرفوا - لاحقا - بالصوفية هم أيضا الذين أسسوا نظام الربط على تخوم ، وحدود البلاد الإسلامية بقصد التعليم .. والتربية .. والجهاد للدفاع عن بيضة الإسلام عندما عز الجهاد ، وانشغل عنه أولي الأمر بما سبق ذكره ..
فهذه بعض الأسباب المجملة لنشأة التصوف ، وبعض التعريفات المحايدة للتعريف بهذه الحركة التي قادت حياة الناس والمجتمعات المسلمة لبعض الوقت في رقعة واسعة من أرض الإسلام .
..  يتبع .

(9) تعليقات

تابع / الزاوية القــــــــــادرية الكنتيــــة ... ( 2 )

الزاوية القادرية الكنتية في المغرب الأقصى :
 
بالرغم من أن منطلق الزاوية القادرية الكنتية كان في المغرب الأوسط ( الجزائر حاليا ) منذ عهد الشيخ / سيدي عبد الرحمن الثعالبي ، مرورا بالشيخ / سيدي محمد بن عبد الكريم المغيلي ، والذي كان له الفضل الكبير في الإنطلاق بالطريقة في آفاق جديدة شملت الصحراء الكبرى وبلاد السودان ، ابتداء من منطقة توات - في جنوب الجزائر حاليا - إلى إمبراطورية الصنغاي وعاصمتها قاوه في عهد الأسكيا الحاج / محمد توري الكبير ،  إلى بلاد الهاوسا في دولة نيجيريا الفدرالية الحالية .
 
       وعن أسبقية الوجود القادري في المنطقة يقول الباحث المصري . د / عبد الله عبد الرازق إبراهيم ، في كتابه القيم (( أضواء على الطرق الصوفية في القارة الإفريقية )) يقول :
 
" ... كانت الطريقة القادرية أول طريقة منظمة دخلت مراكش (( يعني المملكة المغربية )) من خلال العالم المراكشي المشهور : أبي مدين الغوث منذ 1198 م الذي قابل مؤسس الطريقة الشيخ / عبد القادر الجيلاني في بغداد بعد أداء كل منهما فريضة الحج ... " أ . هـ .
 
 
 إلاً أن الإنطلاقة الثانية للطريقة القادرية في المنطقة عموما كانت بجهود أحد تلامذة الشيخ/ المغيلي وهو : سيدعمر الشيخ الكنتي والذي جاب المنطقة - مرافقا لشيخه المغيلي أولا - طولا وعرضا في رحلات دعوية لا تنقطع قادته إلى المشرق ، والمغرب ، ثم بعد أن تولى مشيخة الطريقة القادرية بعد وفاة شيخه المغيلي انطلق يجوب هذا النطاق الجغرافي الممتد من حوض نهر النيجر وبلاد السودان جنوبا إلى أقصى شمال بلاد المغرب داعيا الناس إلى مباديء الدين الحنيف ، ومربيا الأجيال على مباديء طريقته القادرية البكائية الكنتية ، وظل كذلك حتى توفاه الأجل المحتوم ، وصعدت روحه الطيبة الطاهرة المطمئنة إلى بارئها في واحدة من هذه الرحلات الدعوية بالقرب من ( بلدة آقا ) في الجنوب المغربي .
 
 
 ولا نشك في أنه ظل هناك منذ ذلك الوقت ، بل وقبله وجودا للطريقة القادرية في المغرب الأقصى بدليل النص التاريخي الذي أستشهدنا به أعلاه .
 
 وإلاَّ أن الوجود القادري في بلاد المغرب الأقصى  تعزز ونمى مع مرور الأيام وتلاحق الأحداث ، وتعاظم  بصورة مطردة حتى دخلت الطريقة القادرية الكنتية في القصر الملكي نفسه في عهد الملوك العلويين - الكرام - في القرن التاسع عشر الميلادي .
 
 ويبدو أن ذلك كان بفضل المجهود الدعوي المتميز الذي بذله الشيخ/ سيد المختار الكبير الكنتي الفهري ( 1730 - 1811 م . )  والذي كان عهده الميمون من أزهى العهود التي عرفتها القادرية في المنطقة ، فقد أثمرت جهود الشيخ / سيد المختار أنتشار الزوايا الكنتية في القطر المغربي كله .
 
وذكر المرحوم العلامة / محمد النوني  - طيب الله ثراه -  العديد منها وسنتطرق لبعض منها هنا على سبيل المثال لا الحصر .
 
1-- الزاوية المختارية الكنتية ، في مدينة رباط الفتح ، العاصمة .
ومؤسسها هو : ابن يعقوب/ الحاج محمد الرباطي ، وتوفي هذا الشيخ حوالي 1888م .
 
وكان من أعلام هذه الزاوية المشهورين ، الشيخ الجليل / محمد بن أحمد بن علي الأندلسي ، ثم الرباطي ، وكان من أهل العلم والمعرفة وكانت له دروس علمية يلقيها في الزاوية  وقد أمها الكثيرون من أبناء المغرب .
 
    2  -- والزاوية المختارية الكنتية في مدينة مراكش          وكان من أعلامها الشيخ الفاضل / عبد الخالق بن احمد المراكشي ، وكان هو أيضا من أهل العلم والتربية وكان يلقي في الزاوية دروسا علمية ، وفقهية   اجتذبت الكثير من طلاب العلم والمعرفة في  المنطقة.
 
 
3 -- الزاوية القادرية الكنتية في حي صدراته بمدينة مكناس 
ومؤسسها هو الباشا / عبد الله بن أحماد البخاري السوسي ، وقد سافر الباشا خصيصا إلى تمبكتو حاضرة  إقليم أزواد - شمال مالي - لكي يأخذ ورد الطريقة القادرية الكنتية من الشيخ / سيد المختار الكنتي الصغير وبعد وصوله إلى تمبكتو - حيث مقر الزاوية حينذاك - أخذ الورد القادري الكنتي لنفسه وللسلطان سيدي محمد الرابع ابن مولاي عبد الرحمن  ، كما أخذ الباشا ورد الطريقة - كذلك - لبعض وزراء السلطان مولاي سيدي محمد الرابع  ، ثم قفل راجعا إلى موطنه المغرب .
 
 
 4 --الزاوية القادرية الكنتية في اسطات ،
وقد أسسها الحاج الشيخ / العربي العبدوني الشاوي  واشتهرت الزاوية في عهده بنشر العلم والمعرفة في منطقة الريف المغربي وشمال  القطر عموما وكانت الزاوية في عهده قبلة للطلبة المتعطشين للعلم والعرفة والتربية الروحية الصافية ،
وكان تاريخ وفاة الشيخ / العبدوني - تغمده الله بواسع رحمته وعظيم مغفرته - حوالي  ( 1892 م ) 
 
ومن أهم أعلام الطريقة في المغرب :
 
وربما من تكملة الفائدة ذكر بعض أعلام الطريقة القادرية الكنتية في بلاد المغرب الأقصى ، ونذكر   منهم - تغمدهم الله بواسع رحمته وعظيم مغفرته - :
1 --العالم الجراري : يحي بن عبد الله بن مسعود   البكري ، والتوفي (1844م )
 
2 --والفقيه ابن دحو : محمد بن أحمد الأزموري  المتوفي في  ( 1868م )
 
3 -- والبربوشي : البشير بنعبد الحي الصحراوي دفين        مراكش (1874م )
 
     5 - والعربي الهاشمي العزوزي الزرهوني الفاسي.
 
6 - والشيخ المجاهد /عابدين بن سيدي محمد الكنتي  توفي في الجنوب المغربي بالقرب من  قليميم ( وهو من أحفاد الشيخ / سيد المختار الكنتي الكبير ، وجاء إلى المغرب مجاهدا ثم استقر به الحال بسبب احتلال الفرنسيين لموطنه أزواد )  .
 
7- والشيخ / سيدي بوبكر ابن المجاهد / عابدين الكنتي ( وهو أيضا من أحفاد الشيخ / سيد المختار )    توفي في منطقة أولاد جرار ، في الجنوب المغربي .
 
كانت تلك الثلة من الأعلام الميامين .. والشيوخ المباركين هي من حمل مشعلة الدعوة القادرية الكنتية في منطقة المغرب الأقصى وقد لقيت الطريقة القبول الحسن وأنضم إليها الكثير من الأحباب المربين والمعلمين والمصلحين في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين وكان لهم الكثير من الأتباع ، والمريدين  من مختلف شرائح المجتمع المغربي - ملوك .. وأمراء .. ووزراء .. وأهل يسار .. وعلماء .. وفقهاء .. وأدباء .. ومواطنين عاديين - وكانت لهم زوايا - كما بينا - في جهات المغرب الأربع ، وقد سعوا جميعا إلى نشر السلام .. والطمئنينة .. وإشاعة روح التسامح .. والمحبة بين الجميع .. والأمن النفسي  .. والروحي بين الناس .
 
 ... وله تكملة بعون الله ...
 

(28) تعليقات

الزاوية القـــــــــــــادرية الكنتية ... ودورها في حوض النيجر وجنوب الصحراء الكبرى ... ( 1 )

ربما لا نكون مغالين إذا قلنا إن الطريقة القادرية في هذه المنطقة ارتبطت ارتباطا عضويا ، ووجوديا بالكنتيين ، فهم الذين حملوا العبأ الأكبر في نشر تعاليمها وأورادها ومنهجها في التربية الروحية ، والتعليم ، حملوه في كافة أرجاء هذه الصحراء وبلاد السودان الغربي وكان ذلك - بالطبع - تكلمة للدور العظيم الذي قام به الداعية الإسلامي الكبير الشيخ/محمد بن عبد الكريم المغيلي .
 
يقول المستشرق الفرنسي( بول ماتي ) في هذا السياق :
ولقد تقمص كنته القادرية ، مثلما تقمصتهم هي وأصبح اسمهم مرادفا لها وغالبا ما تكنى القادرية السودانية ؛ بالبكائية نسبة إلى : ( الشيخ / سيداحمدالبكاي بودمعة ) أو المختارية نسبة إلى : الشيخ / سيد المختار الكبير ، الذي كان المصلح الديني في نهاية القرن الثامن عشر، وبداية القرن التاسع عشرالميلاديين .
 
ويستطرد : بول مارتي في فقرة أخرى ويقول : ويبدو أن الشيخ / سيداحمد البكاي بودمعة هو أول من حمل الورد القادري في المنطقة ولكن لا يبدو أنه عمل على نشره .
 
وهنا سأستعين بدراسة مهمة من منشورات جمعية موظفي كلية الآداب والعلوم الانسانية بالرباط (1992م )
تحت عنوان :
العلاقات بين المغرب وإفريقيا الغربية .
 
وسأنقل مقتطفات - مع بعض التصرف - من دراسة مهمة منشورة في هذا الكتاب  للباحث المغربي الكبير المرحوم : محمد المنوني - طيب الله ثراه - وعنوان الدراسة :
 المدرسة الكنتية ( الزاوية ) كأبرز قناة بين الافريقيتين في العصر الحديث .
يقول الباحث نصا :
المدرسة الكنتية القادرية : مركزها القيادي في أزواد بصحراء مالي : المنطقة يتواجد بها كثير من قبيلة كنته وبها كان الشيخ / المختار بن أحمد بن أبي بكر الوافي ، من ذرية الفاتح عقبة بن نافع وهو من مواليد 1142/  29-1730 م  وتوفي عام 1226/1812م.
والصحيح أنه ولد : 1730 وتوفي 1811 م .
 
ثم يستطرد في حديثه الجميل عن الشيخ/ سيدالمختار فيقول :
وإلى تأسيسه للطريقة المختارية القادرية  ( هو في الواقع لم يؤسس وإنما أصلح وجدد ) يعتبر علما لامعا في عطائه المعرفي وسلوكه الاسلامي وهنا يستشهد د/ المنوني بأقوال بعض الكتاب والباحثين الذين عاصروا الشيخ/ سيد المختار أو كتبوا عن الفترة التي عاش فيها، فينقل استشهاد عن ابن مخلوف في كتابه ( شجرة النور الزكية ) في معرض حديثه عن الشيخ / سيد المختار فيقول ابن مخلوف :
كان من أعلام العلماء .. والأئمة الفضلاء .. وأحد الأساتذة المشهورين .. والجهابذة المعروفين .
 
ثم ينقل استشهاد آخر عن أبي اسحاق التادلي ( في مخطوطة له ذكر فيها معلومات عن حياته ورحلته المشرقية ؛ رحلة الحج ) يقول التادلي عن الشيخ/سيد المختار: أنه في عداد الذين جددوا  العلوم .. والدين في المغرب .
في تلك الفترة التي عاش فيها الشيخ/ سيد المختار الكنتي ، كانت منطقته : أزواد وتمبكتو - شمال مالي - يحكمها الباشوات المغاربة الذين سيطروا على المنطقة منذ عهد الدولة السعدية في القرن السادس عشر الميلادي  .
 
ثم ينتقل د/المنوني إلى الحديث عن جهود الشيخ/ سيدالمختار الكنتي العلمية .. والاصلاحية فيقول :
وفضلا عن مبادراته الهادفة في ميادين التعليم الارشاد، خلف مؤلفات رصينة تتوزعها مواد الفقه ..  والتصوف .. واللغة .. والأدب  ، ثم ينوه ويشيد بصورة خاصة بكتاب الشيخ / سيد المختار المشهور (نزهة الراوي وبغية الحاوي ) ويصفه بأنه مؤلف  موسوعي ، يقع في مجلد ضخم ، صنفه الشيخ في واحد وعشرين بابا ( 21 )  نثر فيها مسائل من التوحيد.. والهئية .. والسيرةالنبوية .. والتصوف .. و الوعظ .. والحديث الشريف .. والنباتات .. والمعادن .. والأحجار .. والتاريخ .. والخ ..
ويذكر د/المنوني أن هذا الكتاب أثار اهتمام الشيخ/ رفاعة الطهطاوي عندما اطلع عليه في مكتبة في باريس .. وقد أشار إليه الطهطاوي وهو يتحدث عن كروية الأرض :
فيقول : وممن قال من علماء المغرب بأن الأرض مستديرة وأنها سائرة : الشيخ / مختار الكنتاوي ... بأرض أزواد بقرب بلاد تمبكتو ... وقد ألف كتابا سماه ( النزهة ) جمع فيه جملة علوم ، فذكر- بالمناسبة - علم الهيئة ، فتكلم على كروية الأرض .. وعلى سيرها ووضح ذلك ، فتلخص من كلامه  أن الأرض كرة ولا يضر اعتقاد تحركها أو سكونها .
 
ثم يتطرق د/ المنوني إلى اهتمامات الشيخ / سيد المختار في جانب الإصلاح الإجتماعي فيقول:
ومن سيرته أنه كان يهتم بتثقيف النساء ....
فقد كان الشيخ / سيد المختار من أوائل من اهتم بتعليم المرأة في منطقة الصحراء الكبرى وبلاد السودان الغربي ..
 
ويذكر ابنه الشيخ/ سيدمحمد في كتابه : ( الطرائف والتلائد .. . ) : أن الزاوية كانت معدة لاستقبال المتعلمين من الجنسين  فإلى جانب مكان تدريس الطلبة الذكور ، فقد كان في جواره مكان كذلك معد لاستقبال الطالبات الإناث وكن يدرسن نفس العلوم والفنون التي تدرس للطلبة الذكور .
وفي هذا السياق يذكرابنه وخليفته الشيخ / سيد محمد    :
أنه ختم المختصر الخليلي تدريسا هو وزوجه ( الشيخة لاله عائشة ) في يوم واحد وفي خيمة واحدة : هو - الشيخ / سيد المختار -  للرجال ، وزوجه - الشيخة لاله عائشة - للنساء .
 
ثم ينتقل د/ المنوني إلى استعراض دور الزاوية أو المدرسة المختارية الكنتية - كما سماها - دورها في الاصلاح .. والتعليم .. ونشر الاسلام في غرب افريقيا وتصديهم للحملات التنصيرية المبكرة في القارة .
 
.. وإلى هذا فإن أطر المدرسة المختارية - شيوخا  وتلاميذ - جميعهم نشروا الاسلام إلى قلب إفريقيا ، ووقفوا سدا منيعا في وجه التبشير النصراني .
 
وقد توزع نشاطهم بين ثلاثة مراكز :
 
1--الزاوية القادرية البكائية بـ ( أزواد ) - شمال جمهورية مالي حاليا - وتحديدا في منطقة أبو الأنوار .. والتي تبعد عن مدينة تمبكتو حوالي : (360 ك . م ) إلى الشمال الشرقي .
وتمثل هذه الزاوية القاعدة المركزية لينتشر الدعاة منها إلى تمبكتو وإلى أعماق منطقة غرب افريقيا .
 
2--ثم الزاوية القادرية في  ( أدرار ) - زاوية كنته - في   - جنوب الجزائر حاليا - وكان منها الانطلاق شرقا وشمالا وكانت ذات أهمية قصوى لاستمرار التواصل بين الشمال والجنوب .
 
3 -- ثم الزاوية القادرية الكنتية في ( ولاته )  في - موريتانيا حاليا - ومنها الانطلاق إلى منطقة نهر السينيغال وإلى  غامبيا وغينيا .
 
 ثم هناك امتداد غاية في الأهمية للزاوية القادرية الكنتية يتمثل في زاوية الشيخ/ سيديا الكبير الأبيري   في منطقة ( بوتيليميت ) في الجنوب الموريتاني وقد تألق هذا الفرع أيما تألق خاصة في عهد الشيخ/ سيديا   ومن خلفه من ذريته الأبرار حتى تجاوزت سمعته المنطقة برمتها  وقامت بأدوار غاية في الأهمية في نشر الدعوة وإشاعة ثقافة السلم بين قبائل المنطقة ، التي كانت منشغلة في صراعات بلا نهاية على المرعى والمجالات الحوية وتخوم الإمارات   والسيطرة على تجارة المنطقة ومواردها وضرائبها  الأمر الذي أذكى خلافات كان للزاوية دورا إيجابيا في إخمادها والتخفيف من حدتها ونشر الطمئنين  والأمن بين المستضعفين من الناس .
 
ويتحدث أحد المستشرقين الفرنسيين عن خطورة حماس الزاوية الكنتية لنشر الاسلام في افريقيا ، والتصدي لجحافل المنصرين الأوروبيين .. فيقول :
وبالاجمال : فالقادرية هم أحمس  مبشري الدين الاسلامي في غربي افريقيا من السينيغال إلى بنين ، التي بقرب مصب النيجر وهم ينشرون الاسلام بطريقة سلمية : أي بالاستعمار والتجارة والتعليم  وتجد التجار الذين من السونينكي والمانديج المنتشرين على مدن النيجر ( يقصد النهر ) وماسينا : كلهم من مريدي الطريقة القادرية ومن مريديهم من يخدمون في مهنة الكتابة والتعليم ويفتحون كتاتيب ليس في زوايا الطريقة فقط بل وفي كل القرى والمدن ، فيلقنون صغار الزنج الدين الاسلامي اثناء التعليم ويرسلون النجباء منهم على نفقة الزاوية إلى مدارس طرابلس ( الغرب ) والقيروان وجامع القرويين بالمغرب والجامع الأزهر بمصر فيتخرجون من هناك أساتذة ويعودون إلى تلك البلاد لأجل مقاومة التنصير ...

(16) تعليقات

مدن حوض نهر النيجر - قَاوَه .. وتِمْبَكْتُو .. وِجنَّــــيْ .. - كنقطة جذب للتجار، والدعاة ، والعلما

من المعلوم تاريخيا أن منطقة  ثنية نهر النيجر كانت في القرون الوسطى في أوج ازدهارها التجاري والاقتصادي ، بسبب ما تمتعت به أنظمتها الحاكمة من استقرار سياسي ، وانفتاح أمام حركة التجارة القادمة من مناطق الجوار إضافة إلى ما حباها المولى عز وجل به من توفر معدن الذهب التبر في أراضيها ورخص ثمنه مقارنة مع المناطق المجاورة ، الأمر الذي شجع التجار والدعاة العرب بعد  فتح بلاد المغرب على التوجه إليها فرافق الكثير منهم القوافل التجارية التي كانت ترتاد المراكز التجارية على ضفاف  نهر النيجر .
 
ولكن في الحقيقة الصلات التجارية بين ضفتي الصحراء قديمة قدم وجود الإنسان في المنطقتين ، حيث تذكر المصادر التاريخية أن قوافل مملكة قرطاجنة كانت تقطع دروب الصحراء منذ القدم ذهابا وإيابا لجلب الذهب .. والعاج .. وريش النعام .. وجوز الكولا ، وغير ذلك من سلع ، وكنوز الجنوب ، مقابل ما تسوقه القوافل القرطاجنية بدورها من سلع الشمال المتمثلة في ؛ المنسوجات القطنية ، والأواني ، والأدوات النحاسية المطروقة ، والأسلحة الحديدية المصنعة في الشمال ؛ سيوف .. وخناجر .. ورماح  .. ودرق حديدية  .. وجلدية .. وكذلك الخيول المسومة وأسرجتها .. وكامل أدوات زينتها .. ثم واسطة عقد هذه السلع المتمثلة في معدن ملح الطعام ، والذي كان أكثر سلعة عليها الطلب في مدن الثنية وحوض النيجر .
 
كانت هذه الحركة التجارية بين ضفتي الصحراء الكبرى منذ فجر التاريخ ... واستمرت في العهد اليوناني .. والروماني .. والفندالي ..  وذكرها المؤرخ الاغريقي الشهير : هيرودوت ، وذكر أن عملية   تبادل السلع  بين الطرفين كانت  تحدث بصورة صامتة ولذلك سماها بـ : ( التجارة الصامتة ) .
 
إلاَ أن الإزدهار الحقيقي للتجارة بين ضفتيْ الصحراء وصل ذروة نموه وازدهاره إبان دخول الإسلام للمنطقتين ، ربما بسبب دخول عامل الدعوة إلى الإسلام - كدافع أول - لارتياد هذه المناطق ، والحماس الشديد الذي تميز به الدعاة الأوائل لنشر مباديء دينهم بين الأقوام الذين لم تصل إليهم رسالة الدين الجديد ، بالاضافة إلى عوامل مساعدة أخرى تمثلت في أمن الطريق .. وتوفر مياه الشرب في الطريق بعد حفر العديد من آبار المياه العذبة على امتداد الطرق الرئيسية للقوافل التجارية المتجهة جنوبا ، بالإضافة إلى الأرباح الطائلة التي كانت تدرها تجارة الجنــــــــوب على تجار الشمال  .
 
كل هذا وغيره ساهم بصورة أو بأخرى في تدفق التجار، والدعاة والعلماء العرب  نحو هذه المراكز التجارية المتخذة كنقاط تبادل تجاري بين ضفتي الصحراء .
 
 وقد شهدت هذه المدن والمراكز ازدهارا ونموا مطردين بسبب ما تقدم ، فأصبحت من أكثر المناطق جذبا لأهل المال والباحثين عن الأرباح المجزية بل وللنخب المثقفة كذلك فكانت هي الحواضن الأولى للثقافة والحضارة العربية الإسلامية الوافدة على بلاد السودان ، وثنية النهر ، وتوطنت ونمت فيها  مختلف مظاهر الحضارة العربية الإسلامية من  أنماط سلوك ، وآليات تعلم وتفكير وأساليب عيش جلبها الوافدون الجدد مع ما جلبوا من سلع وبضائع كانت المناط الأول للتبادل  و الاتصال بين الطرفين.
 
ودون الدخول في تفاصيل أهمية تجارة القوافل بين ضفتي الصحراء ، وكيفية تنظيمها ، وحجم السلع ، والبضائع المتبادلة بين المنطقتين ، وما جلبه هؤلاء الوافدون  الجدد  من آليات سوق جديدة لم تعهدها حواضر وأسواق المنطقة من قبل ؛ كاستخدام عملة معينة لشراء السلع بدلا من إبدال سلعة بسلعة أخرى - كما كان سائدا - وكذلك أدخلوا استخدام نظام الصكوك في التعامل بين التجار ، واستخدام الوثيقة المدونة في البيع والشراء ، وفي حفظ الدين؛ (بائع + مشتري + سلعة + ثمن + شهود ) .
 
 وحتى لا نستطرد كثيرا في تفاصيل كهذه - رغم أهميتها - دعوني أتحدث عن أهمية العنصر البشري ، ودوره في تطوير عملية التفاعل الحضاري ، والثقافي  البناء بين سكان ضفتي الصحراء ، وأهمية الأفكار الجديدة والقيم السمحة التي حملتها القوافل التجارية للمنطقة ، حتى بدت وكأنها نفخت  في المنطقة ومجتمعاتها  روحا جديدة وثابة تتطلع  لمستقبل مشرق ، ومنفتحة على الآخر القادم ، وما أضافه هذا الشريك الحركي الجديد في السوق المفعم بالحيوية والنشاط وروح المبادرة ، ودوره  فيما عرفته المنطقة - لاحقا - من تطور بيين في نظمها السياسية ، والإقتصادية ، وطرق إدارتها للبلاد ، والعباد .
 
  وقد سُجل لحكام هذه الناطق أنهم كانوا يتحلون بقدر كبيرمن  التسامح ، وكانوا يؤمنون في أعرافهم وتقاليدهم المتوارثة بقيم العدل ، والصدق في المعاملة ، وكانوا يقدرون  الوافدين الجدد جم التقدير ، الأمر الذي أتاح للدعاة والتجار الإستقرار بين ظهرانيهم ، وبيع سلعهم وبضائعهم  ، ونشر دينهم الحنيف في طول البلاد وعرضها  في فترة وجيزة ، ودون أي معوق من الإدارة المحلية أومن الأهالي .
 
 ويبدو أنه كان للجاليات العربية القادمة من بلاد المغرب ، والأندلس ، ومنطقة غدامس في غرب ليبيا ، والجالية المصرية الكبيرة ، كان لهم الدور الأكبر  في خلق هذا المناخ الحضاري المتسامح الجميل بين أهل البلاد والجاليات الوافدة عليهم ، والذي أنتقلت  فيه الأفكار والقيم ، والمباديء بين كافة شرائح ، وطبقات المجتمع المحلي  بيسر، وسهولة ، وسلاسة ، وأنسياب .
 
ويتحدث جمع غفير- ممن كتب عن تلك الحقبة - من الكتاب ، والمؤرخين والرحالة العرب ؛ كالبكري ، وابن حوقل ، والإدريسي ، وابن خلدون ، وابن بطوطة ، وحسن الوزان (  ليون الإفريقي )  وغيرهم يتحدثون عن زخم الوجود العربي في اسواق ممالك كلا من : غانا .. ومالي .. والصنغاي ، وذكروا ما كانت تتمتع به هذه الجاليات الوافدة ؛ من علماء وتجار ودعاة لدى أباطرة وملوك هذه الدول من مكانة وتقدير مميزين .
 
فقد وجدوهم  مستشارين .. ومترجمين .. بل ووزراء .. ووعاظ .. وقضاة ، وكتبة  محاضر ورسائل  لحكام وسلاطين البلاد ، الأمر الذي هيأ مكانة مرموقة للدين الإسلامي ، والثقافة العربية الإسلامية في البلاد وفتحها على مصراعيها أمام مؤثرات الحضارية العربية الإسلامية ، فأثمر فيما بعد هذا الإنتشار المذهل للإسلام في كافة أرجاء هذه المناطق .

(0) تعليقات

تابع ... دور الكنتييــــــــــــــــن .... وتاريخهم .. وتقسيماتهم العشائرية ( 3 )

تابع /...
 
  .. وكذلك نجد حديثا عنهم ، وعن أدوارهم المشهودة في المنطقة عند باحث عربي آخر امتاز بتتبعه ورصده لحركة القبائل العربية في منطقة المغرب العربي ،   هو : الدكتور/ مصطفى أبو ضيف أحمد ، ذكرهم في كتابه القييم ( أثر القبائل العربية في الحياة المغربية خلال عصر الموحدين وبني مرين ) حيث يقول :
 
 " كانت هناك قبيلة عربية واحدة كان لها أثر عظيم في إسلام الزنوج في منطقة جنوب الصحراء ، ومنطقة النيجر الوسطى " يقصد منطقة منحنى نهر النيجر حيث تقع مدن تاريخية مهمة هي : تمبكتو .. وقاوه .. وجني .
 
ثم يواصل الدكتور / مصطفى حديثه قائلا: ... " تلك هي قبيلة (  كنته  ) التي هاجرت في القرن التاسع الهجري من مواطنها في :  توات - منطقة في الجزائر حاليا -  إلى أطراف تمبكتو ... ومع مرور الزمن انصهرت هذه القبيلة العربية الأصل وأصبحت مغربية تدين لها الطريقة القادرية  بانتشارها في غرب إفريقيا .
 
ويلاحظ تطابق النصين الذين أوردناهما ؛ وقد فعلنا ذلك قصدا للتدليل على صحة ما تضمناه من معطيات تاريخية ومعلومات تقوى بتوارد النصوص التاريخية فيها ، وسنكتفي بهما مما كتبه العرب رغم كثرته ، وربما تأتي فرصة أخرى  لمزيد من البسط والتحليل في هذا الموضوع .
 
وإن كان الكتاب العرب القدامى والمحدثين قد تحدثوا  عن هذه المجموعة في سياق أحاديثهم عن حركة وأدوار القبائل العربية في المنطقة ، فكذلك فعل الكتاب الغربيون  فمنذ سقوط الأندلس - في القرن الرابع عشر الميلادي - وبداية عصر استكشافهم لافريقيا جنوب الصحراء ، بدأ الغربيون  محاولات مركزة لاستكشاف المنطقة ودراسة الأقوام .. والجماعات المؤثرة فيها .
 
 وكان للكنتين نصيب الأسد في هذا الاهتمام الغربي ، فتناولهم البرتغاليون في كتاباتهم الاستكشافية عن المنطقة ، كما فعل ذلك الألمان ، والانجليز، والفرنسيين ، والأمريكان . 
( انظر كتاب :
حاضر الهالم الإسلامي ...
وكتابات : هنري بارث الألماني ..
وكتاب : الدعوة ألى الاسلام  لتوماس أرنولد ..
وكتاب : تمبكتو العجيبة ،  لفيلكس ديبوا..
 وكتاب : كنته الشرقيون لبول مارتي ...
    وكتاب : الفتح العربي للصحراء الغربية ... لـ :   T . H نورس الخ .. )
 
وقد ركز هؤلاء من باحثين ، ومستكشفين ، ومستشرقين ، على دراسة البنية الأساسية لهذه المجموعة ، وأهمية الدور المحوري الذي تقوم به في محيطها ، وكيف كانت تؤثر في المجتمع والناس ...
 
 عن تاريخ المجموعة الكنتية  يقول المستشرق الفرنسي بول مارتي :
" ويؤكد أفراد قبيلة كنته على أنهم ينحدرون من عقبة بن نافع الفهري فاتح إفريقيا الشمالية ..
 
ولا تنتشر هذه الرواية فيما بينهم فحسب ، بل بين كل القبائل الصحراوية المثقفة ، وترتبط بشجرتهم السلالية بالواقع سواء أستقيناها من ( تقانت ) - منطقة في موريتانيا - أو في الحوض .. أو في أدرار إفوغاس - منطقة في مالي - أو من النصوص المكتوبة التي تعود لأكثر من قرن من الزمن ، أقول ترتبط بشكل جيد جدا برجل الجهاد العظيم عقبة " يقصد : عقبة بن نافع الفهري التابعي الجليل .
 
 
 وممن تحدث عن أهمية الدور الكنتي في المنطقة الباحثة الأمريكية : ماري بير نبام - وهي باحثة وأستاذة كرسي في جامعة : ميريلاند الأمريكية  - تقول دكتورة ماري عن الكنتيين
في دراسة لها عن الجغرافيا السكانية ..  والاقتصادية .. والسياسية .. والاجتماعية لمنطقة : حوض نهر النيجر وتحديدا  تمبكتو  والمناطق المحيطة بها  وقد ركزت الباحثة في دراستها على المجموعات ذات التأثير : الديني .. والسياسي .. والاقتصادي في حركة المجتمع .
 
 وفي السياق ذاته تقول الباحثة :
 
"... لم يحظ الحضر من عرب الكنته - كماسمتهم - بالقوة السياسية فحسب ، بل كانت لهم مكانة دينية رفيعة بتزعمهم للطريقة القادرية ذات النفوذ الديني القوي ، ومعظم أئمة، وقضاة ، وعلماء المدينة هم إما من الكنته أو من المرتبطين بهم ( تقصد في الورد القادري ) .
 
 وفي الواقع عرفت المجموعة في مجملها بالزعامة الدينية بقدر ما اشتهرت به من زعامة سياسية ، وذلك بخلاف الخبرة التجارية التي يتمتع بها أفراد المجموعة الكنتية .. الخ "
 
ومما تقدم نستطيع أن نستخلص حقيقة ، وأهمية الحضورالكنتي الفعال في المنطقة - مدار البحث - لقرون عديدة ، فقد شكلوا ثقلا حقيقيا ، وعاملا مؤثرا في كل مظاهر الحياة في منطقتهم .. ( في الدين .. والسياسة .. والاقتصاد .. والثقافة .. والاجتماع ..الخ )
وقد شمل هذا التأثير مناطق عديدة في حيز جغرافي مترامي ؛ ابتداء من الجنوب المغربي ، والجزائري ، مرورا بمعظم الحزام الصحراوي الواقع في كل من : مالي .. وموريتانيا .. والنيجر ..    
وبالاضافة إلى وجود للقبيلة أقل درجة في كل من ليبيا.. وبوركينافاسو.. والسينغال .. وزد على ذلك الحضور الكنتي المهم في نيجيريا من خلال العلاقات الدينية الوثيقة بين الكنتيين وآل الشيخ عثمان دان فوديو لارتباطهما معا بالطريقة القادرية البكائية الكنتية ، ولما كان يربط البيتين من تعاون قوي ومثمر في التعليم .. والتربية الصوفية .. والاصلاح ..   والدعوة في عموم ا لمنطقة .
 
     تقسيمات ... وفروع القبيلة :
------------------
 
وهنا لابد من ذكر فروع :  قبيلة كنته .. 
وتقسيماتها ..
ومواطنها الحالية ..
فبعد أن مرت القبيلة بفترات تمدد وحراك أقتضته طبيعة الحياة غير المستقرة في هذا الشريط الجغرافي الذي لا يمل ولا يكل ؛ من الحراك ، والمد ، والجزر، يلفظ  قوما .. ويستوعب أقواما .. ويخفض أناسا .. ويرفع من شأن آخرين .. وهذا بطبيعة الحال هو ناموس التاريخ  أو قل هو قانونه المطرد عبر الزمان والمكان أستقر بهم المقام في نهاية المطاف في هذه المواطن التي سنفصلها الآن .
 
 
  وإذا تحدثنا عن التقسيم من الناحية الجغرافية فيكون كالتالي :
 
1-- فهناك : كنته الغرب  ؛ والمقصود هم أؤلئك القاطنين في كل : من المغرب .. وموريتانيا .. والصحراء الغربية .
 
2 -- وهناك : كنته الشرق ؛ وهم القاطنين في كل من : مالي .. والجزائر .. والنيجر.. وليبيا .
 
أما التقسيم من حيث ؛  العشائر والأفخاذ فهو كالتالي :
 
بدون خلاف عند كافة مؤرخي المنطقة كل الكنتيين يتفرعون من ذرية الشيخ / سيدأحمد البكاي بودمعة ابن الشيخ / سيد محمد الكنتي الفهري .
 
والشيخ/ سيد أحمد البكاي بودمعة له : ثلاثة أبناء لا غير وهم :
1--- سيدمحمد الكنتي الصغير ... وهوجد أغلب كنته الغرب وله : سبعة أبناء هم أجداد عشائر الغرب .
فـ سيدي ويس جد عشيرة : أولاد بوسيف ( بيضا .. وسودا )  .
 
وسيدأحمد الكريم ؛ جد عشيرة : أهل أحمد كنته .
 
وسيدي الوافي الشواف ؛ جد عشيرة : أهل أوقال .
 
وسيدي بوبكر؛ جد عشائر : أولاد سيدي بوبكر كافة ( بيضا .. وسودا )
 
           وسيدي عمر؛ جدعشيرة : المتغنبرين .
 
وسيدي حبيب الله ؛ جد عشيرة : أولاد سيد حَيْبَ الله .
 
وسيدي المختار النقرة ؛ جد عشيرة : الركابات .
 
  2 -- وسيدي بوبكر الحاج ؛ له : ولدان تفرع منهمال سائر عشائر ؛ الهمال وأهل الأزرق .. ولهم حضور في الغرب والشرق ، وإن كان أغلبهم في الشرق .
 
  3 -- وأما سيدعمر الشيخ ؛ فله : ثلاثة أبناء هم  :
 
سيدأحمد الفيرم  ؛ جد عشيرة : الرقاقدة .
 
وسيد المختار؛ جدعشيرة : أولاد سيد المختار ( المخاتير ) .
 
والوافي ؛ جد عشائر : أولاد الوافي كافة  ( المصادفه .. وأولاد سيد عبد الرحمن .. وأولاد ابن عمر .. وأولاد ابن حيب الله .. وأولاد بوحامية ..  وأولاد الشيخ سيد المختارالكبير .. )
 
وهؤلاء جميعا أو أغلبهم مواطنهم في الشرق ، في مالي والجزائر والنيجر وليبيا ، فعرفوا ( بكنته   الشرق ) .
 
 

(2) تعليقات

تابع .. 2 / دور الكنتيـــــــــــــــن ... وتاريخهم ... وتقسيماتهم العشائرية ... في الصحراء الكبرى

  تابع / ... تاريخ القبيلة ، وأسباب تسميتها :
 
وتعتبر قبيلة : كنته ( الكُنتيون أو الكِنتيون ) من أهم المجموعات العربية - الوافدة بعد الفتح - التي حطت رحالها على مشارف ( نهر النيجر) في هذا التاريخ ( أواخر القرن الخامس عشر الميلادي )
 وبالمراجعة ، والتثبت من الوثائق التاريخية ، والروايات الشفوية المحلية المتواترة  يتضح أن هذا الاسم الذي تعرف به القبيلة حاليا بين سائر قبائل المنطقة ( الكنتيين ) أخذته من جدها : الشيخ / سيد محمد الكنتي ، الذائع الصيت ، والذي أشتهر في منطقته بالعلم ، والزهد ، والورع ، والتقوى ، وإن مرت به فترة طيش في شبابه ، حيث عرف بالقوة البدنية ، والشدة ، والفتوة ، فلما كبر وصلح أمره ، وأصبح شيخا ، ومعلما تربويا تشد له الرحال من كل أرجاء الصحراء  الكبرى ، وبلاد السودان ، وأجتمع حوله الكثير من طلاب العلم والمعرفة ، وكثر أتباعه  ، ومريدوه ، في هذا الجو الطيب المفعم بالسموالروحي ، والتجرد من الحول والطول ، أصبح الشيخ / سيد محمد الكنتي كثير التحدث لمن حوله عما كان عليه أمره في مقتبل عمره - وبألم ومرارة أحيانا - مقارنا ذلك بما صار إليه أمره في الحين والساعة ، ومستخلصا من حالتيه ؛ العبر والدروس ، والعظات الجمة ، وتذكر بعض المصادر: أن هذا هو السبب في إلصاق كنية ( الكُنْتِي ) بالشيخ / سيد محمد .
 
وجغرافيا يمكن تقسيم القبيلة إلى :
 
منسوبين إلى الغرب - المغرب .. ومنطقة الساقية الحمراء ووادي الذهب .. وموريتانيا - فيقال كنته الغرب .
 
وإلى منسوبين إلى الشرق - مالي .. الجزائر .. النيجر .. ليبيا - فيقال كنته الشرق .
 
 
فهل لهذا الاسم أصل في اللغة العربية ؟
 
نعـــــم ... وتعالوا معي نستنطق كتب المصادر اللغوية العربية لنتبين معنى هذه التسمية في لغة الضاد :
 
يقول ابن منظور في قاموسه الشهير ( لسان العرب ) يقول في مادة ( كون ) : ورجل كُنْتِيٌ : كبير نسب إلى كنت ، وقد قالوا : كنتني نسب إلى كنت أيضا ، والنون الأخيرة زائدة .
 
 
ونقل عن الجوهري قوله : يقال للرجل إذا شاخ هو
كُنْتِيٌ  ( كأنه نسب إلى قوله : كنت في شبابي كذا.. وكذا..
وأنشد قول الشاعر العربي القديم :
فأصبحت كُنْتِياً وأصبحت عاجنا // وشر خصال المرء كنت وعاجن .
 
 
وفي الحديث : دخل المسجد وعامة أهله ( الكُنْتِيُون ) أي الشيوخ الذين  يقولون : كنا كذا.. وكنا كذا ، وكنت كذا فكأنه منسوب إلى كنت .
 
وهكذا تنطق التسمية في عند كنته الشرق .
 
 
وتقول العرب في كلامها : كأنك والله قد كنت وصرت إلى كان ، أي صرت إلى أن يقال عنك : كان فلان ، أو يقال عنك في حال الهرم : كنت مرة كذا ، وكنت مرة كذا.. انتهى الإستشهاد اللغوي .
  
  وتنطق في الغرب : 
 
 
 هكذا :  ( الكِنْتِي ) على وزن: ( الكندي ) وهي هنا من كلمة ( الكَنَت ) التي  تعني : القوة ، والشدة ؛ فـ ( الكنتي ) إذن هو القوي الشديد ، انظر المنجد في اللغة الأعلام .
 
وقد عرف الشيخ /  سيد محمد الكنتي ( كنتاوي/كنتي ) بهذه الكنية ولهذين المعنيين ولازمته ... بل ولازمت ذريته من بعده حتى يوم الناس هذا .
 
    فما هي علاقة الشيخ / سيدي محمد الكنتي بعرب الهجرة الهلالية (( المعاقلة )) ؟ 
 
 
وتتحدث  مصادر تاريخ المنطقة عن الشيخ / سيد محمد الكنتي - القرن الخامس عشر الميلادي - بقدر كبير من الإجلال والتقدير، وتذكر نفوره الشديد  من كل مظاهر الظلم ، والفساد ، والبطر، والعجب بالنفس التي كانت  متفشية في المجتمعات ، والنخب الحاكمة في الصحراء آنذاك ، وتذكر كذلك جهوده المضنية في الإرشاد ، والنصح لأولي الأمر، وسعيه الدؤوب لإصلاح المجتمع والمنطقة برمتها ، وقد ترجم تلك المحاولات ، وذلك السعي في تعاونه ، وتحالفه مع من توسم فيهم روح الإصلاح ، وقبول ما كان  يدعو له من أفكار، وما كان يؤمن به من تصورات لإصلاح شؤون المنطقة وأهلها ، فأثمرت تلك الجهود في تكوين تحالف من أحفاد عرب الفتح الإسلامي الأول ، مع عرب بني حسان من المعاقلة الذين وفدوا مع الهجرة الهلالية الشهيرة لمنطقة المغرب العربي ، فكان لهذا التحالف - والذي مازالت الأجيال حتى الآن تتناقل بنوده شفاهة - كان له الأثر الكبير في بسط سيطرة القبائل العربية المعقلية من بني حسان على كل المنطقة الممتدة من ( بلاد تكنة ) في الجنوب المغربي مرورا بالساقية الحمراء ووادي الذهب ، إلى ضفاف نهري : السينغال ، والنيجر .
 
وقد ساهم ذلك التحالف، وتلك السيطرة في أسلمة الكثير من المظاهر الإجتماعية ، في سائر مجتمعات المنطقة ، كما ســـاعدت في تعريب الألسنة تدريجيا ، وسادة لهجة بني حسان كل ذلك الحيز الجغرافي ، وطبعت المنطقة برمتها بمظلة حضارية ، وفكرية ، وعقيدية ، ومذهبية واحدة .
 
كنته الأصل والتاريخ :
 
 
وإذا كان المعاقلة قدموا مع الهجرة الهلالية القريبة نسبيا فإن  الكنتيين الذين تحالفوا معهم في المنطقة هم من عرب الفتوحات الإسلامية الأولى ، وكان هؤلاء يعرفون بالعرب البلديين ، تمييزا لهم عن أولئك الذين
جاؤا بعدهم سواء قبل الهجرة الهلالية ، أو بعدها  .
 
 
وترجع  كنته تحديدا في أصولها ، وجذورها الأولى ،  إلى أرومة بني فهر من قريش  وهم  من ابناء ، وأحفاد  قادة جيوش الفتح الإسلامي في عهد الدولة الراشدة ، و دولة بني أمية .
 
 
وقد عرفوا بداية في المناطق التي استوطنوها : بالفهريين - القيروان .. الأندلس .. مستغانم .. وتلمسان .. وتوات .. وفاس .. الخ - عرفوا بالفهريين عموما .. وبالعقبيين - عقباوي/عقبي - خصوصا ؛ نسبة  إلى الفاتح العظيم / عقبة بن نافع الفهري ( ولد سنة 1 قبل الهجرة ، وتوفي سنة 63 هجرية  ) .
 
وتعضيدا لهذا المعنى يمتدح أحد علماء المغرب الأقصى في القرن الثامن عشر الميلادي البيت الكنتي بهذه الأبيات العذبة الجميلة ذاكرا أصل القوم وأمجادهم التاريخية التي يعتزون بها أيما أعتزاز ، فيقول :
 
* بني عقبة ابن نافع مناسب  ... 
تأبى أن يفوتها فخر .
 
* ولا خير إلاَّ في نزار وخيرهم  ...
على كل حال ما توارثه فهر .
 
* بسيوفهم فتحوا المغارب كلها  ...  
على حين عمتها الضلالة والكفر .
 
* ومن نورهم فتح القلوب التي دجت  ...  
بها ظلم الأحشاء واجتاحها الوزر .
 
* بالشيخ مولانا المختار ومحمد  ...
فذان هما الشمس المنيرة والبدر .
 
 
وسنسوق هنا في عجالة بعض النصوص التاريخية الموثقة التي تحدثت عن أصول ( الكنتيين  )  ونمر- مرور الكرام - على الأدوار التاريخية التي نهضوا بها في الصحراء الكبرى ، وحوض نهر النيجر .
 
 
 يقول الباحث الأكاديمي المصري المتخصص في تاريخ إفريقيا ما وراء الصحراء، الدكتور/ عبد الله عبد الرزاق إبراهيم ، في كتابه الممتع : ( أضواء على الطرق الصوفية في القارة الإفريقية ) يقول :
" كنته إحدى  القبائل العربية التي كان لها نفوذ كبير في جنوب الصحراء والساحل "
 
ثم يستطرد ذاكرا هجرتهم التاريخية  من منطقة توات - في الجنوب الجزائري حاليا - فيقول : " وقد هاجرت هذه الجماعات من منطقة توات في القرن الخامس عشر الميلادي ، ووصلوا إلى حدود تمبكتو - مدينة تاريخية على ضفة نهر النيجر، تابعة لجمهورية مالي حاليا - ثم يأتي على ذكر التطور الذي مرت به القبيلة ، والدور الحضاري والإيجابي الذي قامت به بعد استقرارها في موطنها الجديد حول ( تمبكتو ) فيقول : "  ثم تطورت -  هذه القبيلة - من نواة عربية إلى قبيلة مغربية دينية كانت الأساس في نشر الطريقة القادرية في غرب إفريقيا " .
 
ثم يشير الدكتور الباحث إلى الأسباب التي جعلت الكثير من القبائل ، والجماعات ، تلوذ بفناء قبيلة كنته  ، وتحتمي بحماها الآمن ، فيقول : " لأنها كسبت شهرة دينية جعلت الكثيرين ينتمون إليها ، وصارت الوسيط بين القوى المتصارعة  من الطوارق .. والفلان .. والزنوج في منطقة  تمبكتو "...  يتبع .. ،

(21) تعليقات



.
.